لم تكن في المدينة سكك حديد تعمل منذ عشرين عامًا، ومع ذلك كان نادر يسمع صفير قطار في الثانية عشرة وخمس دقائق من ليل كل خميس. أول الأمر ظنه صوت سفينة، ثم صار ينتظره خلف نافذة المحطة القديمة التي حوّلها البلدية إلى مخزن للمقاعد المكسورة. في الليلة الثالثة رأى ضوءًا يقطع الضباب، وتوقف قطار أزرق بطيء أمام رصيف مغطى بالأعشاب. نزلت امرأة تحمل حقيبة صغيرة وسألته: هل ما زال مكتب الرسائل مفتوحًا؟ أشار إلى جدار انهارت فوقه لوحة المواعيد. لكنها وضعت في يده ظرفًا وقالت: سلمه إلى صاحب المخبز، قبل أن يبيع المحل. حين صار الصباح، وجد نادر أن الظرف مختوم بتاريخ يعود إلى ثلاثين سنة. ذهب إلى المخبز، فاستقبله شاب قال إن والده مات منذ أسبوع، وكان قبل وفاته يكرر حلمًا قديمًا عن اعتذار ينتظره من أخته التي اختفت وهي صغيرة. فتح الشاب الظرف، وقرأ سطرًا واحدًا، ثم جلس على درج الفرن يبكي. في الخميس التالي لم ينتظر نادر القطار بدافع الفضول وحده. أحضر مصباحًا ودفترًا يسجل فيه أسماء المرسلين والمرسل إليهم. جاءت هذه المرة ثلاثة ظروف، وكل رسالة بدت كأنها وصلت متأخرة بما يكفي لتغيّر شيئًا، لا لتعيد الماضي. بعد شهر وجد نادر ظرفًا باسمه. فتحه تحت ضوء المصباح فقرأ بخط أمه الراحلة: لا تعش حياتك كلها في محطة انتظار. كان ينتظر طوال سنوات فرصة لمصالحة أخيه في مدينة بعيدة. أطفأ مصباح المحطة، وفي الصباح اشترى تذكرة حافلة. لم يسمع صفير القطار بعد ذلك، لكنه لم يعد يحتاج إليه.
آخر قطار إلى الميناء
رعب وغموض بقلم هيئة تحرير حكايتنا — قصة خيالية
أعجبتك الفكرة؟ شارك الحكاية مع أصدقائكمشاركة واتساب
الصوت يعتمد على الأصوات المثبتة في جهازك ومتصفحك.
التعليقات والمفضلة
لا توجد تعليقات منشورة بعد.