عمري اليوم 23 سنة، وفي شغلة صارت معي قبل خمس سنين، لليوم كل ما أتذكرها بدمع. كنت بنت عادية، أدرس وأطلع مع صاحباتي، وأحيانًا أزعل من أمي على أتفه الأسباب. كانت دايمًا تحكيلي: «تعالي اقعدي جنبي شوي»، وأنا أرد عليها: «بعدين يا ماما، مشغولة». ما كنت أعرف إنه كلمة «بعدين» ممكن تصير أكبر ندم بحياتي. أمي كانت مريضة، بس طول عمرها تخبّي وجعها عنا. تضحك بوجهنا، وتعمل الأكل، وتسألنا إذا ناقصنا إشي، حتى وهي مش قادرة توقف على رجليها. بيوم من الأيام، رجعت من الجامعة ولقيت البيت مليان ناس. أول ما دخلت، حسّيت إنه في إشي غلط. سألت عن أمي، وما حدا رد. وقتها فهمت. أمي راحت. مرت أيام العزا كأنها حلم ثقيل. الناس تيجي وتروح، وأنا قاعدة أتطلع على باب الغرفة، مستنية أمي تطلع وتحكيلي: «قومي كلي يا بنتي». بعد شهرين، كنت برتّب أغراضها، ولقيت تلفونها القديم بدرج الخزانة. شحنته وفتحته. لقيت صورنا، ورسائلنا، وتسجيلات صوتية كانت تبعتها لخالاتي. وبين التسجيلات كان في تسجيل باسمي. ضغطت تشغيل. سمعت صوتها بتحكي: «يا بنتي، بعرف إنك بتتعبي وبتنشغلي، وبعرف إني أحيانًا بكثّر حكي عليكي. بس والله ما بدي منك إشي غير أشوفك مبسوطة. وإذا بيوم غبت عنك، لا تزعلي من حالك، ولا تفكري إنك قصرتي معي. أنا راضية عنك، وبحبك أكثر من الدنيا كلها». وقفت التسجيل، وحضنت التلفون، وبكيت بطريقة ما بكيت فيها حتى يوم وفاتها. لأنه طول الشهرين اللي فاتوا، كنت بلوم حالي على كل مرة حكيتلها «بعدين»، وعلى كل مرة طلعت من البيت بدون ما أبوس راسها. بس أمي، حتى وهي مش موجودة، كانت بتطمني. من يومها تغيّرت. صرت لما حدا من أهلي يطلب مني أقعد معه، أترك اللي بإيدي وأقعد. وصرت أفهم إنه أغلى إشي ممكن نعطيه للي بنحبهم مش المصاري ولا الهدايا. أغلى إشي هو وقتنا معهم. واليوم، بعد خمس سنين، لسه محتفظة بالتسجيل، وكل ما تضيق فيّ الدنيا بسمعه. وأحيانًا بفتح التلفون وبحكي بصوت واطي: «سامحيني يا ماما، لو كنت بعرف إن الوقت قصير، ما كنت حكيتلك بعدين ولا مرة». النهاية.
‹ تصفّح القصص
قصص حقيقية
آخر رسالة من أمي
فتاة فقدت والدتها، وظلّت سنوات تحتفظ بهاتفها القديم، حتى اكتشفت رسالة صوتية لم تسمعها من قبل، غيّرت نظرتها للحياة ولآخر أيام أمها.
ابدأ القراءة ↓