كان أدهم من مواليد دمشق، لكنه نشأ في طوكيو، حيث اخترق عالم التجارة الإلكترونية بعجلة رجل الأعمال. بعد عامين من العمل في شركة تكنولوجية كبرى، قرر أنه لا يُريد أن يمضي حياته كعَمِلٍ فقط. في لحظة غضب، عُرفت قراراته بسرعة. وجد أنه لم يُخترِق إلا أشياء كثيرة، لكنه لم يُخترِق قراره. ففي ليلة ماطرة، وضّح له أن القرار الذي اتخذه قبل عامين، وهو ترك عمله السابق في دمشق، كان القرار الذي جعله يعيش في طوكيو، لكنه لم يُعَدِّل حياته. ففي تلك الليلة، بينما كان يُعدّ عودته إلى دمشق، عثر على نافذة قديمة في شقته تفصل بينه وبين مرآة مكسورة. لم يكن يعلم أن تلك النافذة كانت تُظهر له صورًا من عالمه الماضي، حيث كان يُعدّ في دمشق. في اللحظة التي تفتح فيها النافذة، استيقظ في دمشق، لكنه لم يعد يذكر شيئًا عن طوكيو. في اليوم التالي، وجد نفسه مُعلقًا في شقة مهجورة في دمشق، بينما تظهر له صور من طوكيو في حلمه. لم يعلم أن النافذة كانت جزءًا من تجربة روحه، التي تبحث عن محاولة ثانية. في الليلة التالية، أفاق مُغطى بالعرق، ذاكرة مُتقطعة كأنه يعيش أحلامًا من حياة لم يعشها. نظر حوله، فوجد نفسه في شقة مهجورة، جدرانها مغطاة بالغبار، والريشات تتساقط من السقف. شعر بخدر في ذراعه الأيمن، وكأنه لم يتحرك منذ أيام. حاول أن يلتفت، لكنه لم يجد نافذة، فقط مرآة مكسورة في زاوية الغرفة. شعر بالخوف، لكنه تذكر شيئًا غريبًا... تذكر أن تلك الشقة كانت تُظهر له صورًا من طوكيو في الحلم. فجأة، سمع صوتًا من خلفه. "من هناك؟" قال بصوت خافت. لم يكن أحد. لكنه شعر وكأنه ليس وحيدًا. الصوت عاد، لكن هذه المرة أوضح، وكأنه ينبع من مكان محدد. خلف المرآة المكسورة. توترت شعره، وانحنت نحو المرآة، لكنها كانت فارغة. "من هناك؟" سمعه يسأل ذاته. "أنا هنا،" أجاب بصوت خافت. لم يكن يعلم من هو الذي يتكلم، لكنه شعر بأن الشخص الذي يتحدث معه هو نفسه. "أنا لا أريد أن أذهب إلى طوكيو،" قال الصوت. "لكنك ستذهب،" أجابه بصوت مكسور. شعر بالغثيان، وكأنه يحمل أسرارًا لا يمكنه التخلي عنها. توقفت عن الحركة، خوفًا من أن يُدركه أحد. "لماذا؟" سأل بصوت صغير. "لأنك تعرف الحقيقة،" قال الصوت. "ومن يعلم الحقيقة، يُرى في النافذة." استدار ببطء، ووجد نفسه وحيدًا في الغرفة المظلمة، إلا أنه لم يكن وحيدًا. تعلق بصوته الذي يصدر من داخله، وكأن هناك نسخة أخرى من نفسه تتحدث إليه. "من أنا؟" سأل بصوت متعب. "أنت من سيُرى في النافذة،" أجابه الصوت. "لكنني لا أريد أن أرى،" عرقل. "الرؤية لا تُختر،" قال الصوت بلطف، "وكل ما تفعله هو أنك تبحث عن الحقيقة." شعر بجفاف في الفم، وبدأ ينظر عبر النافذة المغطاة بالغيوم. "ماذا ترى؟" سأل. "أنت،" أجاب الصوت، "في النافذة." توقفت دقات قلبه، وكأنه استمع إلى صوت من بعيد. "ماذا سأرى؟" "العالم الذي لم يُخلق بعد." الرجل ابتسم خفيفًا، وكأنه يحاول أن يُقنع نفسه بأن ما يسمعه مجرد خيال. لكن الصوت لم يهدأ. "العالم الذي لم يُخلق بعد،" تكرر، "هو ما ستعيشه إذا قررت أن ترى." نظر إلى النافذة مرة أخرى، وفجأة، شعر بأن الغيوم قد بدأت تزول. "كيف يمكنني أن أرى شيئًا لم يُخلق بعد؟" سأل بتردد. "بأن تُدرك أنك جزء من تلك الخلق،" أجاب الصوت. "أنك لا تنظر من خارج، بل من داخل." شعر بثقل غريب على صدره، وكأنه يفقد شيئًا من كيانه. "ماذا سأفعل إذا رأيت ذلك العالم؟" "ستُعيد تشكيله،" أجاب الصوت، "أو ستفقد قدرتك على أن ترى." الصوت لم يُجيب، لكنه شعر بتسارع في دقات قلبه. شعر بأن النافذة تبدأ في التغير، أن الحواف تذوب، وأن الألوان تُصبح أكثر عمقًا. توقف عن التنفس لحظة، وبدأ يشعر بوجود كائن آخر يراقبه من الداخل. "من أنت؟" سأل بصوتٍ خافت. "أنا ما تراه،" أجاب الصوت، "أنا ما تعرفه." شعر بيدٍ غامضة تُلمس ظهره، وكأنه يُسحب إلى حيث لا يرى. "أين أذهب؟" "إلى ما لم تُخلق بعد،" قال الصوت، "إلى ما ستعيشه إذا أردت أن ترى." نظر إلى النافذة مرة أخرى، وفجأة، شعر بأن الغيوم قد بدأت تزول. استمرّ السحب في الاندثار، وكأنها تذوب تحت ضوءٍ غير مرئي. نافذة الغرفة أصبحت عدسةً تُظهر عالمًا آخر، وبدأت يرى أشياء لا تُشبه الواقع. "ماذا هذا؟" سأل بصوتٍ متردد. "هذا ما تخلقته،" صرخ الصوت من الداخل، "هذا ما تؤسس له." شعر بجسده يطير ببطء، كأنه ينتقل من مكان إلى مكان عبر خيوطٍ متشابكة من الضوء. نظر إلى أسفل، ورأى عالمًا جديدًا يتشكل أمام عينيه: مدن لا تعرف التلوث، وجوًّا نقيًا، وناسٌ يعيشون بسلام. "هل أنا في الماضي؟" "لا،" أجاب الصوت، "أنت في المستقبل الذي تختاره." توقفت الأصوات حوله، وكأن الزمن توقف فجأة. الصوت صار أكثر وضوحًا الآن: "هذا ما تختاره، هذا ما تبنيه. كل خطوة تخطوها هنا تؤثر على عالمك الحقيقي." شعر بخوفٍ خفيف، وكأنه يحمل مسؤولية كبرى. "كيف أعود؟" "كل ما عليك هو أن تقرر،" قال الصوت، "وكل اختيارك يُعيد تشكيل الاحتمالات." تأكد من أن كل حركة تؤثر، وبدأ ينظر إلى العالم المُستقبلي بعينٍ مختلفة. شعر بأن هناك مهارة في هذا البناء، وبدأ يسأل نفسه: هل يمكنه أن يبني شيئًا أفضل؟ توقفت الأصوات، وبدأ العالم يذوب من حوله، وكأنه يعود إلى حيث بدأ، لكنه الآن يحمل معه شعورًا جديدًا. "أنا هنا،" قال بصوتٍ عالٍ، "سأبني شيئًا أفضل." استيقظ في غرفة مظلمة، تذكّر شيئًا لا يزال يحمله في دماغه. قرر أن يبدأ من جديد، لا كمجرد مراقب، بل كفاعل. فتح النافذة، ودخل الهواء البارد، لكنه شعر بنشاطٍ مختلف. اقترب من خريطة الزمن التي ظهرت أمامه، وبدأ يرسم خطًا جديدًا، يربط بين الأحداث بسلاسة. شعر بأن كل اختيار يحمل وزنًا، وأنه يجب أن يكون دقيقًا. لم يعد يبحث عن الماضي، بل يبني مستقبلًا يعكس أحلامه. عندما غادر الغرفة، أدرك أن الباب لم يعد يُغلق، بل يفتح بملل تُغيّر الأحداث. "الآن،" قال لنفسه، "سأصنع ما لم يصنعه أحد قبلي." الباب تفتح ببطء، وظهر فجأة أمامه رجل غامض، ملابسه قديمة لكن عينيه تلمعان بفهم عميق. "أنت أول من يفتح الباب،" قال بصوت خافت. "لكن هل أنت مستعد لرؤية ما ستأتي به؟" نظر إليه بريبة، ثم أدرك أن كل خطوة تؤدي إلى شيء لا يُعاد. "سأصنع ما لم يصنعه أحد قبلي،" تكرر لنفسه، ثم نظر إلى الخريطة، وبدأ يرسم خطًا جديدًا، مستقبلاً لا يُكرر. توقف الرجل، ثم غادر هدوءاً، والباب لم يُغلق، بل فتح بملل تُغيّر الأحداث إلى الأبد.
‹ تصفّح القصص
اعترافات مجهولة
نافذة المُستقبل
في طوكيو، حيث تلتقي الأقدار بالقرارات، عرف رجل أن خياره الماضي لم يعد مجرد الماضي.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓