كان خالد، رجلٌ في الأربعين من عمره، يعيش في حيّ صغيرٍ في حلب، حيث تلتقي شوارعها مع حياةٍ أخفَّ وأكثرَ صمتًا. يعمل في المكتبة العامة، وهو الوحيد الذي لا يُمسكُ بالكتابِ بيدِه، بل يحملُ قلمًا سحريًا يرسمُ عليه خطوطًا من دخانٍ أزرق. يُعرفه الناسُ بأنه 'الرجل الذي يحمل القلم'، لكنه لا يُخبر أحدًا بقصته. ذات ليلة، بينما كان يجلسُ في المكتبة، شعر بخفَّةٍ في يده، ففتحها فانقلب القلمُ وانفجرَ بضوءٍ أزرقِ يُشبهُ أشعةَ الشمسِ في صيفٍ مُقَدَّس. في اللحظة التي فتح فيها عينيه، شعر بوجودٍ غامضٍ في مكانه، كأنه لم يعد وحده. كان ذلك أول فصلٍ من رحلةٍ تُعيدُ تعريفَ مفهومِ الكتابةِ في عالمٍ يُفقدُ الناسَ القدرةَ على التعبير. في اللحظة التي فتح فيها عينيه، شعر بوجودٍ غامضٍ في مكانه، كأنه لم يعد وحده. كان ذلك أول فصلٍ من رحلةٍ تُعيدُ تعريفَ مفهومِ الكتابةِ في عالمٍ يُفقدُ الناسَ القدرةَ على التعبير. لم يتأمل كثيرًا في ما حدث، فقد كانت حياته المعتادة تشبه كتبًا مُغلقة، تُنسى في الرفوف. لكنه عرف أنه لن يعود كما كان. في تلك الليلة، بينما كان يحاول إصلاح القلم الذي انفجر، ظهر له رجلٌ غامض، يلبس ثوبًا أسودًا مُقَدَّسًا، ووجهه مُخفي وراء شاحبةٍ فضية. "أنت من اخترق الحدود"، قال بصوتٍ خافتٍ، "القلم لا يُنفجر، بل يُعَيِّن." ثم اختفى فجأة، مثلما ظهر. بعد أن اختفى الرجل الغامض، استمر الرجل في إصلاح القلم، لكنه شعر بثقل غريب على كتفه، وكأن شيء ما قد تغير داخله. لم يكن يعلم أن القلم الذي كان يحاول إصلاحه لم يُنفجر أبدًا، بل كان ينتظر من يُعَيِّنَه. في تلك الليلة، بينما كان يحاول ملء ورقة بخطه المعتاد، شعر بنبض غريب في يده، وكأن القلم يتنفس. فجأة، شعر بقوة تتدفق من الأطراف إلى قلبه، وكأنه يُعيد اكتشاف لغة كانت مفقودة. لم يجرؤ على الكتابة، لكنه شعر بأن كلماته الآن تُسمع، تُفهم، وتُرى. لم يكن يعرف أن هذا هو أول خطوة في رحلةٍ تُعيد للبشرية لغة التعبير. في تلك الليلة، بينما كان يحاول ملء ورقة بخطه المعتاد، شعر بنبض غريب في يده، وكأن القلم يتنفس. فجأة، شعر بقوة تتدفق من الأطراف إلى قلبه، وكأنه يُعيد اكتشاف لغة كانت مفقودة. لم يجرؤ على الكتابة، لكنه شعر بأن كلماته الآن تُسمع، تُفهم، وتُرى. لم يكن يعرف أن هذا هو أول خطوة في رحلةٍ تُعيد للبشرية لغة التعبير. في اليوم التالي، تجاهل الأصدقاء والزملاء عبارة "القلم الذي يتنفس" التي أثارت فضولهم. لكنه لم يتأثر، فقد اكتشف أن يده تتحرك بسلاسة خارقة، كأن القلم يملأها بقوة غامضة. أدرك أنه أصبح وسيطًا بين البشر واللغة، لكنه لم يشرح ذلك لأحد. فقط في لحظات هادئة، وحده، يشعر بالمسؤولية عن كل كلمة تُكتب الآن، وكل فكرة تُفهم دون حواجز. في المكتب المظلم، بينما كان يرسم خطوطًا على الصفحة، سمع صوتًا خافتًا من خلفه. تجنب نظرته فجأة، فوجد زميله المقرب، أحمد، يراقبه بفضول. "إذن، القلم الذي يتنفس...؟" سأل بابتسامة مريبة. همس الرجل دون أن يرفع الوجه: "أحيانًا، الكلمات تطلب أكثر من مجرد تدوين." توقف أحمد، ثم ابتسم: "ربما أنت تعرف لغة لا يعرفها أحد." نظر إليه بعينين مليئتين بالغموض، ثم عاد لكتابة كلمات جديدة، مُعلنة بدء فهم غامض يحمله بداخله. استمر أحمد في المراقبة، لكنه لم يسأل أكثر. بدت عليه شحنة غريبة من التوتر، وكأنه ينتظر شيئًا. توقف الرجل عن الكتابة فجأة، ورفع رأسه ببطء، فكانت عيناه تلمعان بعنف. "أنت تعلم، أحمد، أن الكلمات ليست مجرد أصوات، بل حياة..." شعر أحمد بالرعب الصامت. "لماذا تقول هذا؟" سأل بصوت خافت. "لأنني أسمعها... أسمعها تتنفس، تتحرك، تطلب أن تُسمع." توقفت صوته فجأة، كأنه يخاف أن يفتح فمه أكثر. "ربما... أنت تسمعها لأنك تعرف كيف تسمع." لم يكن أحمد يعرف ماذا يقول. كانت الكلمات تغلي في دماغه، لكنها لم تخرج. شعر بالضغط على صدره، وكأنه يتنفس ببطء، محاولاً التحكم في نبضاته. الرجل لم يتحرك، لكن جسده كان صامتًا، مهددًا. "أنا أسمعها، أحمد. أسمعها في الأماكن التي لا يسمعها الآخرون. في الأصوات، في الصمت، في كل شيء." توقفت يده عن الكتابة، فجأة، وكأنه يعاني من إرادة قوية تقاومها. "لماذا تخبرني بذلك؟" أجاب أحمد بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يرفع صوته. "لأنك... تسمعها أيضًا. فقط لا تعلمي أنك تسمعها." أحمد نظر إلى الرجل بعينين تتساءلان عن المعنى الذي يحمله الحديث. لم يكن يعرف ماذا يعني أن "تسمعها"، لكنه شعر بأن هناك شيئًا ما في همسه يلامس قلب أحمد بطريقة غريبة. "أنا لا أسمع أي شيء،" قال بصوت متعب. "حتى الصمت لا يثيرني." الرجل ابتسم بابتسامة خافتة، وكأنه يعلم أن كلماته ليست حقًا. "لكنك تسمع، أحمد. فقط لا تعرف أنك تسمع. أنت تسمع الأشياء التي لا تُسمع. الأشياء التي تنتظر أن تُكتشف." توقف مرة أخرى، ثم أخذ قلمه في يده مرة أخرى، وكأنه يعيد الربط بينه وبين العالم. "هل تريده أن تسمعها؟" قال بصوت منخفض، "أو هل تريده أن تبقى تسمعها دون أن تعرف؟" أحمد نظر إليه بدهشة، لم يكن يعلم أن هناك أشياء لا تُسمع. "ماذا تقول؟" سأل بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يُوقظ شيئًا ما. الرجل ابتسم مجددًا، وكأنه يعلم أن كلماته تصل إليه بطريقة غريبة. "هذا القلم،" قال، "هو البوابة. كلما كتبته، تسمع شيئًا جديدًا. لكن لا تكتب كثيرًا، أو ستنسى أنك تسمع." أحمد تردد، ثم أخذ القلم من يده. "ما الذي سأسمع؟" "الأسماء،" قال الرجل، "الأسماء التي تُنسى، والأفكار التي تُخفيها القلوب. فقط لا تكتبها بصوت عالٍ." أحمد نظر إلى القلم بعينين تتساءلان. لم يكن يملك فكرة عن ما قد يسمعه، لكنه شعر بأن هناك شيء ينتظره في هذه اللحظة. "ماذا يجب أن أكتب؟" سأل بصوت منخفض. الرجل نظر إليه بعينين عميقتين، كأنه يرى ما لا يراه أحد. "اكتب اسمك،" قال. "اسمك الحقيقي، وليس الذي تُستخدم به." أحمد فكر، ثم بدأ يكتب ببطء. "أحمد"، كتب. توقف، وشعر بثقل في الصدر. "ماذا الآن؟" "اكتب اسم شخص لا تذكره منذ زمن." أحمد نظر إلى الورقة، ثم نظر إلى الرجل. "ربما... أمي." كتبها بتردد. أشعر بصدوره يخفق، وكأنه يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه. أحمد نظر إلى الورقة بعينين متعبتين، وكأنه يرى في كل حرف ذكريات مخفية. "لماذا هذا؟" سأل بصوت خافت. الرجل نظر إليه، ثم ضحك بخفة. "لأنك تبحث عن الحقيقة، لكنك لا تعرف ما الذي تبحث عنه." أحمد شعر بأن القلم في يده يحمل وزنًا لا ينام. "ماذا الآن؟" "اكتب اسم شخص لم تكن تكرهه، لكنك عشت معه." توقف أحمد، ثم كتب ببطء: "الديّان." توقف مجددًا، وشعر بأن الأشياء تبدأ تتحرك في مكانها. "ماذا الآن؟" "اكتب اسم شخص لم تكن تحبه، لكنك أحببته." أحمد نظر إلى الورقة، وشعر بأن القلم يحمل معنى لا يُفهم. واصل أحمد الكتابة، محاولاً أن يخفف من تأثير الكلمات التي سجلها. "الديّان"، كتبها مجددًا، وكأنها تُخفي شيئًا ينتظر أن يُكتشف. ثم سأل، "ماذا الآن؟" الرجل لم يتحرك، بل نظر إليه بعينين تلمعان كأنهما يحملان سرًا. "اكتب اسم شخص لم تكن تحبه، لكنك أحببته." أحمد شعر بأن القلم يتحرك من يده بمفرده. "الديّان"، كتبها مرة أخرى، وكأنها تُعيد تشكيل ذاته. "ماذا الآن؟" الرجل نظر إليه، ثم قال: "اكتب اسمك." كتب أحمد اسمه بتردد، وكأن كل حرف يحمل حميمية خفية. "الديّان"، "أحمد"، كأنه يُعيد ترتيب الذكريات التي لم يُعَدِّلها أحد. الرجل لم يتحرك، لكن نظراته كانت تُذكّره ببعض الأشياء التي يرفض تذكرها. "ماذا الآن؟" سأل أحمد، مستغرقًا في حيرةٍ تشبه القلم الذي لا يتوقف عن التحرك. "اكتب اسم شخص لم تكن تحبه، لكنك أحببتها." أحمد تردد في إجابته، فكلمة "الديّان" لم تكفّ عن التكرار، وكأنها تُحاول أن تُخفي أو تُعلن. "لا"، قال أحمد، "لا أتذكر." الرجل ابتسم، وكأنه يعلم أن الجواب لا ينتمي إلى الحقيقة، بل إلى الذاكرة التي تُخفي. "اكتب"، قال، "أو سأتركك." كانت العيون تُراقبه من خلف الظلال، وكأنها تنتظر إجابة مُحددة. أحمد أخذ الزناد بيدٍ مخترقة، وبدأ يكتب، لكن الحروف لم تخرج من سلامة القلم. "الديّان"، همس، وكأنه يُحاول أن يُعيد ترتيب الذكريات. الرجل تابع خطوطه بعينين شاحبات، ثم تجاهل ما كتبه. "إذا لم تكن تحبها، فلماذا تكرّر اسمها؟" أحمد لم يُجيب. الرجل تقدم خطوة، ووضع يده على كتفه. "كل من يُحب يُحب، حتى لو لم يعلمه." أحمد ابتسم، لكن ابتسامته كانت تُشبه القلم الذي لا يتوقف عن الحركة. "هل تعلم من أنا؟" سأل، وبدأ يسأل نفسه. الرجل التفت إلى الوراء، وكأنه ينتظر شيئًا ما. لم يكن يعرف ماذا ينتظر، لكنه كان يشعر بوجوده. "أنا الذي يكتب في أحلامك،" قال بصوت خافت. أحمد شعر بحفرة في صدره، وكأن هناك شيء يحاول الاتصال به من خلف الجدران. "أنا لا أرى أحلامًا،" رد بصوت منخفض. "لكنك تكتبها." الرجل ابتسم، وعيناه تلمعان بضوء غامض. "أنا لا أكتب، أنا أتذكر. وأنت تكتب لتنسى." أحمد تراجع خطوة، لكن القلم في يده لم يتحرك. "ماذا تريده مني؟" سأل بتردد. "أنا أحاول أن أحميك من نفسك." قال الرجل بصوت مكسور، "أنا أكتب في أحلامك، لأنك لا تعرف ماذا تبحث عنه. أنت تكتب لتنسى، لكنك لا تنسى." أحمد شعر بصداع نابض، وكأن كلماته تضربه من الداخل. "كيف تعرف ذلك؟" سأل بصوت يحمل خجلًا. الرجل تقدم خطوة واحدة، عيناه تلمعان كالنيران. "أنا أسمعك. كل ليلة، تكتب أشياء لا تعرف أنها تكتب. أنت تبحث عن الحقيقة، لكنك تنسى أنك تبحث عنها." أحمد نظر إلى القلم في يده، وكأنه ينظر إلى شخص غريب. "ماذا تفعل؟" قال بصوت مبحوح. "أنا أحميك من نفسك. أكتب لك الأحلام التي تريدها، حتى لا تكتبها بنفسك." أحمد نظر إلى القلم في يده، وكأنه ينظر إلى شخص غريب. "ماذا تفعل؟" قال بصوت مبحوح. "أنا أحميك من نفسك. أكتب لك الأحلام التي تريدها، حتى لا تكتبها بنفسك." "لكنني أكتب لأنني أريد أن أفهم." الرجل هز رأسه ببطء. "فهمك يقتلك. أنت تبحث عن الحقيقة، لكن الحقيقة لا تُعَدَّ بقلمك. أكتب لك الأحلام لتنام، وليس لأيقظك." أحمد تمعن في وجهه، شعر بأن هناك شيئًا خفيًا في كلماته. "كيف تعرف كل هذا؟" الرجل ضحك ضحكة خافتة. "لأنني أنا." "أنت؟" "أنا القلم. أنا الكلمات التي تنسى." قال أحمد بفجأة: "أنا لا أريد الأحلام. أريد الحقيقة." الرجل نظر إليه بعينين تشبهان قطعتي قطن رمادية. "الحقيقة لا تُكتب. تكتب الأوهام، وتُخفي الأسئلة." أحمد تراجع خطوة، لكنه لم يفر. "ماذا تفعل بـ... بـ..." "أكتب لك الأحلام حتى تنسى أنك تبحث عن الحقيقة." الرجل تجول في الغرفة ببطء، كأنه يبحث عن شيء ما. "أنا لست رجلًا. أنا الظلام الذي يخفي النور. أنا الكلمات التي تنسى. أنا الذي يُكتب عليك، وليست أنت." أحمد توقف. "أنا أكتب لأنني أريد أن أفهم." الرجل ابتسم. "فهمك يقتلك." أحمد شعر بأن كل شيء حوله يذوب، كأنه يدخل في كابوس لا يمكنه الاستيقاظ منه. "لماذا تجعلني أكتب؟" سأل بصوت منخفض. الرجل تراجع خطوة واحدة، ثم توقف. "لأنك تبحث عن الحقيقة، وها هي تلاحقك. لكنك لن تجد حقيقة، بل ستكتبها." أحمد نظر إلى الورقة التي في يده، شعر بأن الكلمات تتحرك. "أنا أكتب لفهم... لفهم ما أكون." "فهمك يقتلك"، قال الرجل مُكررًا. "لكن ربما، لا تموت. ربما تنسى." أحمد شعر بخفقان في القلب، وكأنه يخضع لتجربة لا يمكنه التحكم فيها. "أنا لا أريد أن أنسى." الرجل تقدم نحوه ببطء، كأنه يحمل سيفًا من الظلام. "إذاً، اكتب." الرجل تقدم نحوه ببطء، كأنه يحمل سيفًا من الظلام. "إذاً، اكتب." أحمد نظر إلى الورقة التي في يده، شعر بأن الكلمات تتحرك. "أنا أكتب لفهم... لفهم ما أكون." "فهمك يقتلك"، قال الرجل مُكررًا. "لكن ربما، لا تموت. ربما تنسى." أحمد شعر بخفقان في القلب، وكأنه يخضع لتجربة لا يمكنه التحكم فيها. "أنا لا أريد أن أنسى." الرجل تقدم نحوه ببطء، كأنه يحمل سيفًا من الظلام. "إذاً، اكتب." الرجل تقدم نحوه ببطء، كأنه يحمل سيفًا من الظلام. "إذاً، اكتب." أحمد نظر إلى الورقة التي في يده، شعر بأن الكلمات تتحرك. "أنا أكتب لفهم... لفهم ما أكون." "فهمك يقتلك"، قال الرجل مُكررًا. "لكن ربما، لا تموت. ربما تنسى." أحمد شعر بخفقان في القلب، وكأنه يخضع لتجربة لا يمكنه التحكم فيها. "أنا لا أريد أن أنسى." الرجل تقدم نحوه ببطء، كأنه يحمل سيفًا من الظلام. "إذاً، اكتب." أحمد شعر بيد ثانية تضع الورقة في يده، كأنها تضغط عليه من الداخل. "لكن ماذا أكتب؟" "كلماتك تحكمك"، أجاب الرجل. "إذا كتبتها، فستكون جزءًا من الظلام. إذا نسيتها، فستكون جزءًا من الظلام أيضًا." أحمد نظر إلى الورقة، وبدأ يكتب ببطء. الكلمات كانت تنساب من قلمه مثل الدم. "الظلام ليس هو، بل ما نخشاه." الرجل نظر إليه بعينين لا تُرى. "هل تعرف ما تكتب؟" "لا." "هذا ما تريده." الرجل تقدم خطوة واحدة، ثم توقف. "الكلمات التي تكتبها، تصنع أشياء لا تعرفها. بعضها ينير، وبعضها يطمس." أحمد توقف عن الكتوب. "فماذا أفعل؟" "لا تفعل شيئًا. فقط اكتب." "لكن ماذا إذا كتبت شيئًا خاطئًا؟" "كل شيء خاطئ في البداية. حتى الحقيقة." أحمد شعر بيد ثانية تضع الورقة في يده، كأنها تضغط عليه من الداخل. "لكن ماذا أكتب؟" "كلماتك تحكمك"، أجاب الرجل. "إذا كتبتها، فستكون جزءًا من الظلام. إذا نسيتها، فستكون جزءًا من الظلام أيضًا." الرجل تقدم خطوة واحدة نحو الورقة، وكأنه يتأمل في شيء ما. "الكتابة ليست قرارًا، بل اختراعًا"، قال. "كل شيء يبدأ بالشك. حتى الظلام." أحمد تردد الكلمات كأنها تلتصق بلسانه. "لكن ماذا لو لم أعرف ما أريد؟" "فإنك تعرف ما لا تعرفه"، أجاب الرجل بابتسامة غامضة. "الكتابة تجعلك تعرف." أحمد نظر إلى الورقة. كانت تلمع بضوء غامض. "فما الذي يجب أن أكتب؟" "لا شيء يحدد ذلك. فقط اكتب، حتى لو كنت تكتب الظلام نفسه." بدأ أحمد يحرك الورقة ببطء، وكأنه يخاف من أن يكسر سحرها. رأى أنه لا يملك سوى القلم والورقة، لكنه شعر وكأن هناك شيء أعمق يدفعه لكتابة. توقف الرجل عن الابتسامة، وبدأ ينظر إليه بعينين تلمعان بغموض. "أكتب عن ما تراه، حتى لو لم تكن موجودًا." أحمد نظر إلى الورقة مرة أخرى، ثم إلى الرجل. "لكن ماذا لو لم أستطع رؤية شيء؟" "فإنه لا يُطلب منك رؤية شيء، بل إظهار ما لا ترى." بدأ أحمد يكتب ببطء، وكأنه يجرؤ على خرق الحدود. الكلمات تنساب من يده، وكأنها تأتي من مكان آخر. واصل أحمد الكتابة، والكلمات كانت تتدفق كأنها تخرج من قلبه. لم يكن يعلم ما يكتب، لكنه شعر بأنه يُخلد شيئًا خفيًا داخله. الرجل نظر إليه بعينين تلمعان، وكأنه يقرأ في أعماقه. "ماذا تشعر؟" سأل الرجل فجأة. أحمد تردّد: "أشعر بوجود شيء... لا أعرف ما هو." الرجل نظر إلى الورقة، ثم إلى أحمد، وابتسم. "هذا هو البداية. ما تشعر به، هو ما يجب أن تكتبه." أحمد شعر بأن القلم يحمله، وكأنه لا يملك خيارًا سوى أن يستمر. كل حرف يحمل معه خفقة في القلب، وكأنه يفتح بابًا لا يعرف مفتاحه. الرجل ابتسم، وبدأ يمشي ببطء نحو الحافة. "كلما كتبت، تمتلك شيئًا من الحقيقة." أحمد شعر بالتوتر، لكنه أخرج القلم من بين أصابعه. "لكن ماذا يحدث إذا لم أكن أعرف ما أكتب؟" الرجل توقف، نظر إليه من بعيد. "هذا ليس سؤالًا، بل احتمال." أحمد نظر إلى الورقة، ثم إلى الرجل، وكأنه ينتظر إجابة. "ماذا سأجد؟" سأل بصوت خافت. الرجل نظر إليه، وابتسم. "لا تبحث عن الجواب. فقط اكتب." أحمد شعر بأن القلم يهتز في يده، وكأنه ينتظر أمره. "ماذا يجب أن أكتب؟" سأل مترددًا. الرجل نظر إليه، وقال: "كل شيء." لم يتحرك الرجل، فقط نظر إلى أحمد كأنه ينتظر منه شيء لا يمكن توصيفه. "لا تبحث عن المعنى،" قال بصوت منخفض، "الكلمات ستكشف لك نفسها." أحمد شعر بضغط غريب في صدره، وكأنه يحمل ثقلاً غير مرئي. حاول أن يهدأ، لكن يده لم تهدأ. "ماذا سيحدث إذا كتبت شيئًا خاطئًا؟" سأل بصوت خافت. الرجل ابتسم مجددًا، لكن ابتسامته كانت غامضة. "الخطأ ليس خطأً، هو مجرد خطوة في الطريق." أحمد نظر إلى الورقة فجأة، ثم إلى القلم. شعر وكأنه يقف على حافة شيء لا يمكن العودة عنه. "ماذا أكتب أولًا؟" سأل. الرجل لم يجيب، فقط أظهر له نظرة تشبه التحدي. أحمد شارك في أول كلمة. كتب أحمد "النور" بحروف تشبه أن تتنفس. توقفت يده فجأة، وبدا أن القلم يحمل قوة خفية. الرجل الذي بجانبه تابع نظراته، ثم قال بصوت ناعم: "الكلمة الأولى تحدد المسار." أحمد شعر بالرعب، لكنه لم يرفع القلم. كتب "الظلام" ببطء، ثم توقف. الرجل ابتسم، وكأنه يعلم شيئًا لا يعلمه أحد. "النور والظلام يولدان بعضهما"، قال. أحمد نظر إلى الورقة، شعر بأن كل كلمة تخرج من قلبه، وتفتح بابًا لا يمكن إغلاقه. أخذ يكتب بثقة، وكأنه يُطلق سراحًا لا يعود. عندما أتم، توقفت الورقة، وبدأ العالم حوله يذوب في صمت عميق. قال الرجل بصوت خافت: "كل كلمة تُبنى عليها عالم جديد." أحمد نظر إليه بدهشة، ثم رجع إلى الورقة. شعر بخفة في الصدر، وكأنه يحمل عبء لا يُنهى. "ماذا بعد؟" سأل بصوت منخفض. الرجل تقدم خطوة، ووضع يده على كتفه. "الكلمة الثانية تحدد الاتجاه." أحمد شعر بارتجاف، لكنه لم يتأخر. كتب "النور" ببطء. توقف، ثم نظر إلى الرجل. ابتسم الرجل مجددًا، وكأنه ينتظر شيئًا. أحمد شعر بأن الورقة تتنفس، وبأنه يكتب ليس كلمات، بل مصيره. توقف الرجل، وبدأ العالم من جديد يظهر ببطء، لكن هذه المرة، كان أحمد جزءًا منه. كانت الكلمة الثالثة تتردد في فمه، لكنه لم يستطع أن يقررها. "الصمت"؟ "النهاية"؟ الورقة تلمع بخفة. فجأة، شعر بيد قوية تمسك قلمه. "الكلمة الرابعة تختتم القصة." قال الرجل بصوت خافت. أحمد نظر إليه، وبدأ يكتب ببطء. "الشمس". ابتسم الرجل، وانطلق بعيدًا، والورقة انطلقت معه. توقفت الرياح، توقفت الأصوات، وانحنت الأرض كأنها تتنفس معه. شعر بجسد لا يُحصى، وبما أنه ليس وحيدًا. نظر إلى الورقة، ورأى أن كل كلمة كانت تُبنى على الأخرى، وبأنه لم يعد يكتب، بل يُخلق. وفجأة، توقف العالم، وبدأ يُعيد البناء، بيدٍ واحدة.
‹ تصفّح القصص
اعترافات مجهولة
الرجل الذي يحمل القلم
في دمشق، حيث تُسْمَعُ أصواتُ الحجارةِ المُتّسخةِ ورائحةِ الترابِ العَذْب، عاش رجلٌ يحمل قلمًا لا يُكتبُ به إلا على الورقِ المُحْرَق.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓