‹ تصفّح القصص
قصص اجتماعية

النافذة المُغلَّة

في حي قديم بمدينة بنغازي، تمرّ قصة طباخ عجوز يخوض منافسة مهنية مع شاب غريب، بينما تُغلّ النافذة المُتّصلة بمنزله الأصفر كأنها تمنع الماضي من الدخول.

(بتوقيت فلسطين)

ابدأ القراءة ↓
غلاف النافذة المُغلَّة

استمع للقصة

قراءة مريحة

في حي القبة القديم بمدينة بنغازي، حيث تُسمع أصوات الطيور صباحًا وتُرفرف الأقمار على المباني البالية، يعيش أحمد المسماري، طباخ عجوز في الستينات، يُعدّ شوربة الأرز بالزيت المُحترق والملح الذي يحمل رائحة الذكريات. يُعرف أحمد بعصره المُنتهى، لكنه لا يزال يُظهر قوة في طبخه، وكأنه ينفث الأسرار من قلب طباخته القديمة. هذا اليوم، وصل إليه مُفاجأة غير مألوفة: عرض لمسابقة طبخ، تُقام في مطعم جديد بمدينة بنغازي، وبدأ يُهدّد به مُطبخه الصغير. في حديقة المنزل، حيث يجلس مُستلقيًا على كرسي مُغطى بالحشائش، يتحدث لزوجته المتوفية منذ سنوات، بينما يُعدّ شوربة الأرز. تقول له: "لا تترك وحدتك تُخفي همّك." لكنه لا يعلم أن الصراع لم يبدأ بعرض المطبخ، بل بدخول شاب غريب، يحمل في يده وعاء مُعدّ بقائمة طبخ غير مألوفة، ويدعى رامي. يجلس رامي على طاولة مطربة، مُمسكًا بخاتم يحمل رمزًا قديمًا، ويفتحه ببطء، كأنه يكشف سرًا مُدفونًا في صمت المدينة. أحمد ينظر إليه، ويرى في عينيه حكاية لم يُسمع بها، وتبدأ المنافسة من هذه اللحظة. أحمد لم يتحرك، لكن نظراته تُخترق جدران المطبخ، كأنها تبحث عن شيء خفي. رامي لم يلتفت، بل يستمر في فتح الخاتم ببطء، كأنه يكشف حكاية مكتوبة بأحرف مُصغرة في القلب. بجانبه، ترتيب المكونات يُذكره بروتين يومي، لكنه يعلم أن كل شيء هنا مختلف. يبدأ رامي بكتابة شيء على ورقة، ثم يضعها في كيس زراعي، ويُغلقه بسرعة، وكأنه يخفي شيئًا لا يُمكن تأكيد وجوده. أحمد يشعر بالغموض، ويُدرك أن هذا الشاب ليس عابرًا. يبدأ الحديث ببطء، "أين تُعمل؟" رامي يبتسم، "في مطبخ العقل، حيث يُصنع الطعام من الأفكار." أحمد يضحك خفيفًا، "أنا أصنع الطعام من الحنين." أحمد ينظر إلى رامي بعينين مُغطّيتين بالشك، "هذا ليس مطبخًا، هذا كهف." رامي يرفع كتفه، "لا تختلف كثيرًا. هنا نصنع الأشياء التي لا تُرى." أحمد يتأمله، "أنت تخبئ شيئًا ما." رامي يُمسك بحافة الكيس، "أنا أحمي شيئًا." يرفع أحمد كوبه، "أنا أربى حنينًا." يبدأ رامي يتحدث بصوت خفيف، "لقد تعلمت أن الأفكار تُصنع بالوقت، وتشكل كالطعام، تُخبز بمرور الأيام، وتُقدّم في لحظات غير متوقعة." أحمد يبتسم، "لكنني أصنع حنينًا، لا أفكارًا." يُغمض رامي عينيه، "ربما لأن الحنين يُصنع بعُمق القلب." قال أحمد بصوت مُتأثر، "أنا أربى حنينًا، حنينًا لم يُزرع في قلبي من قبل. أحيانًا أتساءل ماذا لو لم أكن أملكه؟" رامي يُحدق في نافذة الغرفة، التي تُغلق بحافة معدنية تُشبه شفتيه. "الحنين لا يُزرع،" قال بصوت خفيف، "يُولد من فراغ، ويُربى من تعب." أحمد يحدق في كوبه، "فمن يُربى الحنين؟" رامي يرفع كفيه، "من يُربى الحنين؟ من يُربى الحنين؟" توقفت أصوات الرياح خارج النافذة، وكأنها تسمع ما يقوله. أحمد يبتسم، "ربما من يُحب." رامي يُغمض عينيه، "ربما من يُحب، أو من يُخسر." أحمد يرفع كوبه ببطء، "ربما من يُخسر، أو من يُنتظر." رامي يتأمل النافذة مرة أخرى، "أحيانًا أتساءل ماذا لو لم أكن أملكه؟" أحمد ينظر إليه بعينين تلمعان بغموض، "ماذا لو لم تملكه؟" رامي يرفع كتفه، "ماذا لو لم أملكه؟" أحمد يضحك بصوت خافت، "ربما ستكون أنت من تملكه." رامي يبتسم، "أو ربما لم تملكه أبداً." تعود أصوات الرياح خارج النافذة، تمر من بين الحافة المعدنية كأنها تهمس معهم. أحمد يغمض عينيه، "الحنين، هو الذي يملكنا." رامي ينظر إليه، "أو ربما هو الذي يخسرنا." استمرت الرياح تُرفرف خارج النافذة المغلقة، كأنها تُذكرهم ببعض الأشياء التي لم يعودوا يذكرونها. رامي اقترب من أحمد، ووضع يده على كتفه برفق، "لا تفكر كثيرًا، تعرف أنك لن تملكه أبدًا." أحمد نظر إليه بعينين تملئها الظلام، "لكنني أشعر به، كأنه جزء مني." رامي نظر إلى النافذة، "ربما هو جزء منك، لكنه ليس جزءًا مني." أحمد شعر بالحيرة، "ماذا لو كنا نملك نفس الشيء؟" رامي ابتسم بلطف، "ماذا لو كنا نخسره في الوقت نفسه؟" توقفت الرياح فجأة، وكأنها سمعت حديثهما. تذوب الشمس ببطء في الأفق، وكأنها تنسى أن الوقت يمر. أحمد تنهد، "أنا لا أعرف ما أفعله." رامي نظر إليه، "لا تقلق، لن يبقى لك سوى الذكريات." أحمد نظر إلى النافذة المغلقة، "هل تعلم ما الذي يحدث في الداخل؟" رامي تردّ بابتسامة غامضة، "ربما لا تعلم، لكنك تشعر به." توقف أحمد، "أنا أشعر به كلما غربت الشمس." رامي نظر إلى الأفق، "ربما هو الوقت الذي نخسره، لا نملكه." نظر أحمد إليه، "فماذا نفعل؟" رامي أخذ شهيقًا عميقًا، "ننتظر، حتى تفهم أن بعض الأشياء لا تعود." أحمد تفحص النافذة المغلقة بعينين متعبتين، "لا أفهم لماذا لا أستطيع دخوله." رامي تفحص الظلام بعينيه، "أحيانًا لا يُسمح للمرء بالدخول حتى يُفتح له الباب." أحمد نظر إليه بحيرة، "هل أنت تقول إن هناك من يفتح الباب؟" رامي نظر إلى السماء، "ربما لا أحد، لكن هناك من ينتظر." أحمد أخذ شهيقًا عميقًا، "أنا لا أعرف من أنت." رامي نظر إليه بعينين خافتتين، "أنا الذي ينتظر معك." توقف أحمد، "فكيف تعرف ما الذي يحدث؟" رامي تردّ بصوت خافت، "أنا أشعر به أيضًا." كانت الأفكار تدور بحيرة في ذهن أحمد، وكأنها تدور بداخله ببطءٍ لا يُدركه. رامي، الذي ظلّ مُقتصدًا في حديثه، بدا كأنه يحمل معرفة لا يملكها أحدٌ سوى مَن تعلّم أسرارَ الظلام. "كل شيء يحدث في الظلام،" قال رامي بصوت خفيف، "وكل شيء يبدأ بظلّ واحد." أحمد رفع نظره، "ما الذي تقوله؟" رامي نظر إليه كأنه يحاول رؤية شيء خفي، "الظل يبدأ بمن ينتظر، وينتهي بمن يفتح الباب." أحمد تفجّر ضحكًا خافتًا، "أنت تقول إنني أنتظر لفتح بابٍ لا أعرف ما بداخله." رامي أومأ برأسيه، "أو ربما لا تعرف ما الذي تبحث عنه." أحمد تفجّر ضحكًا خافتًا، "أنت تقول إنني أنتظر لفتح بابٍ لا أعرف ما بداخله." رامي أومأ برأسيه، "أو ربما لا تعرف ما الذي تبحث عنه." ابتسم أحمد بغموض، "أو ربما لا أعرف حتى إن كان هناك باب." رامي نظر إليه بعينين تلمعان كأنما يخبئان شيئًا، "الظل لا يخفي شيئًا، بل يكشف ما لا يُرى." توقف أحمد عن المشي فجأة، "لماذا تقول هذا؟" رامي تجنب نظرته، "لأنني شهدت ذلك." تردد أحمد بتردد، "ماذا شهدت؟" لم يُجيب رامي، فقط نظر إلى النافذة المغلّة كأنما ينتظر شيئًا. أحمد ابتسم بتعابير غامضة، "أنت تبحث عن شيء لم تقرر ما هو." رامي شدّ رأسه، "أو ربما لا تبحث عن شيء، بل تبحث عن شخص." ابتسم أحمد بابتسامة متعبة، "ربما تبحث عن ذكريات." توقف رامي عن المشي فجأة، "ماذا تعرف عن الذكريات؟" أحمد نظر إليه بعينين تلمعان، "أنا لا أعرف، لكنني أعرف أن البعض يعود إلى الأماكن التي تُغلق الأبواب." رامي نظر إلى النافذة المغلقة مرة أخرى، "أنا أعود إلى هناك." أحمد شدّ كتفه، "ربما لأنك لم تترك." لم يُستطع رامي أن يكتم دموعه، فانفجرت من عينيه كأنما قطعة زجاج كسرت داخله. "لقد تركت." قال بصوت خافت. "لكنك لم تترك." أجاب أحمد، وربت على كتفه بلطف. "الذكريات لا تترك، بل تلاحقك." رامي نظر إلى النافذة المغلقة بعينين تملؤها الظلال، "لكنها تُغلق الأبواب." "قد تُغلق أبواب الماضي، لكنها تفتح أخرى." قال أحمد، "فإنك لا تعود إلى الماضي، بل إلى نفسك." توقف رامي، وبدأ يتنفس ببطء. "ماذا لو لم أكن أعرف حتى ما أبحث عنه؟" "ربما." قال أحمد، "لكنك تعرف أنك تبحث." استمر رامي في النظر إلى النافذة المغلقة، وكأنه يحاول اكتشاف شيء خفي يخفيه الظلام. "أحيانًا أتساءل إن كنت أبحث عن شيء حقيقي، أو فقط عن ذريعة للبقاء هنا." قال بصوت خافت. أومأ أحمد برأسه، "لا تهم إن كان حقيقيًا أو لا، ما يهم هو أنك ما زلت هنا." رامي ابتسم بحزن، "لكنني أشعر أنني أضيع في دوائر لا تنتهي." "الضياع ليس دائمًا ضياعًا." أجاب أحمد، "قد يكون مجرد طريق ينتظر أن تمشي عليه." توقفت الشمس عن الظهور، وانغمس الغرقد في الغرفة، بينما كان رامي يُحدق في النافذة، محاولاً فهم ما يريده حقًا. كان رامي يحدق في النافذة المغلقة، يحاول أن يرى ما خلفها، لكنه كان يعلم أنها لا تُفتح. "أحيانًا أتساءل إن كان هناك ما خلفها، أو إن كنت أنا من أحب البقاء هنا." قال بصوت منخفض. نظر أحمد إليه بعينين مليئتين بالتفهم. "النافذة ليست مغلقة لأن ما خلفها لا يهم، بل لأنك لم تقرر أن تفتحها." "لكنني لا أعرف ما الذي أبحث عنه." "ربما لا تحتاج إلى أن تعرف، فقط تحتاج إلى أن تبدأ." أومأ أحمد بhead، "النافذة تنتظرك، رامي. كل ما عليك هو أن تقرّر أن تفتحها." أصبحت اللحظة تضغط على رامي كأنها تتنفس معه. توقف عن التفكير في ما خلف النافذة، وبدأ ينظر إلى يده اليمنى التي كانت ترتجف ببطء. "أنا لا أستطيع، أحمد." قال بصوت مكسور. "أنا خائف." نظر إليه أحمد بعينين لا تحملان تأنيبًا، بل تحمّلا رحابة الفهم. "الخوف ليس عدوًا، رامي. هو جزء منك. لكنه ليس كل ما تملك." توقف عن الكلام، وانتظر. حرك رامي يده ببطء نحو النافذة، كأنه يجرّب أن يحمل كيسًا ثقيلًا. "إذا كنت لا تعرف ما تبحث عنه، فلنبحث معًا." نظر أحمد إليه بابتسامة خفيفة. "أنا هنا. سأكون هنا." استمر رامي في تحريك يده نحو النافذة، وكأنه يحاول أن يفتحها دون أن يُظهر أي إحباط. كانت الريح تمرّ عبر فجوة صغيرة في الباب، تُثير الغبار في الهواء، وتُذكّره بوقت كان يعيش فيه في قرية صغيرة، حيث كانت كل الأشياء تتناغم مع الطبيعة. "أنا لا أعرف ما أبحث عنه، أحمد." قال بصوت خافت. "ربما لا أعرف." رد أحمد بابتسامة واسعة. "لكننا هنا الآن. نحن نبحث معًا. لا تهم ما تبحث عنه، ما يهم هو أنك لا تبحث وحيدًا." نظر رامي إليه، ثم تحرّك ببطء، وكأنه يُجرّب أن يفتح النافذة، لكنه توقف فجأة. "إذا لم أعلم ما أبحث عنه، كيف أعرف إذا ما وجدته؟" قال بصوت متردد. "لأنك تبحث، رامي. حتى لو لم تكن تعرف ما تبحث عنه، فأنت تبحث." نظر رامي إلى النافذة المغلقة، مُغمضًا عينيه لحظة، وكأنه يحاول أن يرى من خلالها. "أحيانًا أتساءل، هل هناك فرق بين البحث عن شيء وبحث عن عدمه؟" قال بصوت هادئ. ابتسم أحمد مجددًا، لكن هذا الابتسامة كانت أخف من المعتاد. "ربما لا يوجد فرق. ربما نبحث عن وجودنا نفسه." توقف رامي عن حركة يده، وانحنت رأسه قليلاً. "لكن ماذا لو لم نجد؟" "حينئذٍ نجد بعضنا." قال أحمد بصوت مُطمئن. توقفت الشمس عن الغروب، وانعكس ضوءها على النافذة المغلقة، كأنها تنتظر. انحنت رأس رامي باتجاه النافذة، يدّه كانت تتحرك ببطء كأنها تلمس الحدود بين داخل وخارج. "ربما نحن نبحث عن فرصة نفتح فيها النافذة." قال بصوت خافت. ابتسم أحمد، لكن ابتسامته كانت مُكتفية بملل، كأنها تختفي تحت طبقة من الظلام. "أو ربما نبحث عن كأننا نفتحها." "لكن لماذا نبحث عن شيء نعرف أنه مغلق؟" سأل رامي. "ربما لأن الغلق هو ما يجعلنا نبحث." رد أحمد بتردد. توقفت شمس الغروب عن الابتسام، وظلّ الظلام ينساب ببطء عبر الزجاج، كأنه يحاول الدخول. أحمد ابتعد خطوة عن النافذة، كأنه يبحث عن شيء في الظلام الذي لا يرى. "ربما لأنها لم تغلق بعد." قال بصوت مُتعب. رامي نظر إليه بدهشة. "كيف这么说؟" "ربما هي مغلقة، لكن لا نعلم إذا كانت مغلقة حقًا." أضاف أحمد، مُشيرًا إلى الأفق حيث كان الظلام ينساب ببطء. "أو ربما لا نعلم ماذا نبحث عنه." قال رامي، مُغمضًا عينيه. "لكننا نبحث." "وهل يهم؟" "ربما لا يهم." لكن أحمد شعر بأن هناك شيء في تلك اللحظة يحملهم نحو شيء ما، كأن الظلام ليس مجرد ظلام، بل هو بداية. الظلام امتص الأصوات، وكأنه يخفي كل شيء في جوفه الأسود. رامي استدار نحو أحمد، الذي كان يُحدق في النافذة المغلقة، وكأنه يحاول رؤية ما لا يمكن رؤيته. "أنت تعتقد أنها لم تغلق بعد؟" سأل بصوت خافت. "أنا أعتقد أننا نحن من لم نغلق عيوننا بعد." أجاب أحمد، وكأن كلماته تحمل معناها الخاصة. "لكن ماذا لو لم تكن هناك نافذة؟" قال رامي، مُشيرًا إلى الأفق الذي لم يُظهر أي علامة على البداية. "ربما لا نحتاج إلى نافذة. ربما كل ما نحتاجه هو أن نفتح عيوننا." قال أحمد، وغمرته هدوء غريب. توقفت الأصوات، والوقت نفسه بدا وكأنه يتنفس ببطء. الهواء بدأ يحمل رائحة ملحية، وكأنهم يتنفسان من عالم آخر. رامي نظر إلى أحمد، الذي لم يتحرك، وكأنه توقف عن الوجود. "هل تشعر بالفرق؟" سأل بصوت منخفض. "أنا أشعر بوجود شيء... لا أعرف ما هو." قال أحمد، مُحاطًا بالصمت. تمرّد الظلام، وكأنه يخفي أسرارًا. "هل تعتقد أننا نحن من أغلقنا النافذة؟" سأل رامي بتردد. "أو أن النافذة أغلقتنا؟" أجاب أحمد، وعيناه تلمعان بلمّة غامضة. توقفت الرطوبة، وكأنها شعرت بخوف. "ربما نحن الآن داخل النافذة." قال رامي بصوت مكسور. "أو ربما النافذة هي ما نحن." لم يكن هناك صوت يُحدد حدود الفراغ، فكل شيء كان يختلط، وكأنه يتنفس ببطء. "ربما نحن لا نملك سوى هذه اللحظة" قال أحمد، وهو يشير إلى النافذة المغلقة التي تُضيئها نور الشمس الذي يمرّ من فجوة صغيرة في الجدار. "لا نعرف ماذا يوجد خارجها، ولا حتى ماذا نحن." رامي تجرّع الكلمات ببطء، وكأنها تُحمل حملاً ثقيلة. "ربما نحن مجرد صورة، أو رسم، أو فكرة تتحرك ببطء." "أو ربما نحن النافذة نفسها." أجاب أحمد، وعيناه تلمعان بلمّة غامضة. توقفت الرياح، وكأنها خافت من التحدث. "هل تشعر بوجود شيء... لا أعرف ما هو." قال أحمد، وهو ينظر إلى الظلام الذي يختفي تدريجيًا. "أنا أشعر... بوجود شيء آخر." الظلام بدأ يذوب، وكأنه يختفي ببطء، ليكشف عن أشكال غامضة تتحرك ببطء خلف النافذة المغلّة. أحمد تحرك بحذر، وكأنه يخشى أن يُطلق صوتًا. "إذا كنت نافذة، فلماذا أشعر بالوجود؟" سأل رامي بصوت خافت. "ربما لأننا لا نملك هوية، فقط كيان." أجاب أحمد، وهو يضع يده على النافذة، وكأنه يحاول أن يشعر بجسده. "أو ربما لأننا نستطيع أن نرى." قال رامي، وعيناه تلمعان بفضول لا يُكتم. "لكن ماذا لو لم نكن شيئًا، بل مجرد عدسة تُعكس العالم من حولنا؟" سأل أحمد، وهو يرفع اليد، وكأنه يحاول أن يمس صورة خلفها. "أو ربما... نحن العالم." في تلك اللحظة، ارتجفت النافذة بخفقة، وكأنها تتنفس. رامي وقف متحمسًا، عيناه تلمعان بالفضول. "هل تسمع ذلك؟" قال بصوت مكسور، وكأنه يخاف أن يُفقد الاتصال. أحمد نظر إليه بدهشة، "ماذا؟" "صوت... صوت مطر." "لكن لا يDown مطر." "لا، لكن... أشعر به." أومأ رامي برأسيه، وكأنه يحاول أن يُقنعه. "ربما مجرد صدى." "أو ربما... نحن من يُحدث المطر." قال أحمد بفجوة، وكأنه يكتشف شيئًا لا يمكن تجاهله. توقفا، وبدأا يراقبان بعضهما البعض، وكأنما يختبران الاحتمال. أحمد نظر إلى النافذة المغلقة، ثم إلى رامي، وكأنه يبحث عن معنى في تصرفه. "ربما أنت حساس أكثر من الآخرين." "أو ربما... لا نحن فقط نسمع المطر." رامي تحدث بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يُسمع. "هل ترى شيئًا؟" "لا، لكن... أشعر أن هناك شيئًا خارج النافذة." تقدم أحمد نحو النافذة، ورفع يده لفتحها، لكن رامي توقفه. "لا، لا تفتحها. لا تعرف ما الذي قد يظهر." توقف أحمد، وانحني قليلاً، وكأنه يحاول أن يسمع أكثر. "هل تعتقد أننا نحن من يصنع المطر؟" "ربما... نحن من يُوقفه." قال رامي بصوت متردد. لم تكن هذه المرة الأولى التي يسمع فيها أحمد صوت المطر. لكنه لم يسمعه من قبل من هذا القرب، وكأنه يتساقط من داخل الجدار نفسه. "ربما... نحن من نصنعه." قال بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يُسمع. رامي نظر إليه بعينين مليئتين بالرعب، وكأنه ينتظر أن يظهر شيء ما من الظلام. "لا، لا تقول ذلك." "لماذا لا؟" "لأن... لأننا لا نعرف ماذا يحدث." "لكن ماذا لو أننا نحن من نوقفه؟" "أو ربما... نحن من يبدأه." نظر أحمد إلى النافذة متأملًا، وكأنه يحاول أن يرى ما لا يمكن رؤيته. "هل تعتقد أننا نسمعه من خارج؟" "ربما... نحن من يسمعه من داخل." كانت الأصوات تتردد في الهواء كأنها تأتي من مكان بعيد، لكنها كانت أقرب لقلوبهم. لم يعد يهم من أين تأتي، بل من أين تبدأ. أحمد تجنب نظرات رامي، الذي كان ينظر إلى الجدار بعينين مملوءتين بالخوف. "ماذا لو أن هذا الشيء... ليس في الخارج؟" قال رامي بصوت مكسور. "ماذا لو كان داخلنا؟" أجاب أحمد وهو ينظر إلى النافذة المغلقة. "كيف؟" "ربما... نحن من نصنعه." "لا، لا تقول ذلك." "لكن ماذا لو أننا نتوقف عن صنعه؟" "كيف نتوقف عن شيء لم نعرفه حتى الآن؟" "ربما... نحن من نبدأه." توقف أحمد، وكأنه ينتظر أن يُسمع شيئًا آخر من الظلام. قال رامي بصوت خافت: "لكننا لا نعرف حتى ما نصنعه. كيف نتوقف عن صنعه؟" نظر أحمد إلى الأرض، كأنه يبحث عن إجابة في الفراغ. "ربما لأننا لم نفهمه بعد،" قال ببطء. "لكن ربما... نحن من نبدأه." توقفت حركة الهواء، وكأنه ينتهي. "كيف؟" سأل رامي. "بأن نتوقف عن النظر إلى الخارج." "لكن كيف نعرف ما في الداخل إذا لم نفتح النافذة؟" "ربما لأن ما في الداخل هو ما نصنعه بالداخل." نظر رامي إلى النافذة المغلقة، وكأنه ينتظر أن تتحرك. "ماذا لو أن... ما نصنعه لم يعد يسمح لنا بالبقاء؟" قال بصوت مكسور. "ربما لا نحتاج إلى أن نعرف." قالت سارة بثقة: "ربما لأننا جربنا كل شيء من خارج النافذة." أمسك رامي بحافة النافذة بيد واحدة، وكأنه يحاول سحبها من مكانها. "لكن ماذا بعد؟" "نحتاج إلى أن نبدأ بالداخل." "وأن نبدأ من أين؟" ابتسمت بابتسامة خافتة. "من حيث نبدأ بالفعل." أصبحت الهدوء أكثر عمقًا، وكأنه يتنفس معهم. "ماذا لو أن هناك لا شيء هناك؟" "ربما لأن هناك لا شيء هناك." قالت بفجوة في صوتها. "أو ربما لأن هناك كل شيء هناك." غادروا الغرفة ببطء، وكأنهم لا يزالون يبحثون عن ما لم يجدوه. لم تكن البداية تبدو سهلة. دخلوا إلى الغرفة، حيث كانت النافذة المغلقة تنتظرهم مثل رجل متعب لا يزال يحمل حقيبته. توقفوا عند الباب، وكأنهم يتساءلون إن كانوا يدخلون إلى شيء ما أو يغادرونه. سأل أحدهم: "ماذا لو كنا نبحث عن شيء لا نملكه؟" ابتسمت عيناها بغموض. "أو ربما نملكه دون أن نعرف." استداروا نحو الجدار الأيمن، حيث كانت الألواح الخشبية تلمع ببرودة مريبة. "الجدران تعرف كل شيء." "لكن لا تقول كل شيء." الصمت عاد، لكنه لم يكن الآن عدوًا. كان كأنه زائرًا ينتظر أن يُسأل عن سبب زيارته. الصمت عاد، لكنه لم يكن الآن عدوًا. كان كأنه زائرًا ينتظر أن يُسأل عن سبب زيارته. تباشير الظلام تسللّت من فجور الباب، وبدأت تُلوّن الحوائط بظلالها. شعر أحد الشباب ببرودة يديه، فسأل بصوت خافت: "ماذا لو لم نعد نحتاج إلى البحث؟" ابتسمت عيناهما بمرارة. "أحيانًا نبحث عن شيء نحتاجه، لكننا نجد في النهاية ما نخافه." أحدهم تدحرج خطوة نحو النافذة المغلقة. "ماذا لو كانت النافذة تعرف؟" أطلقت رذاذًا من الغبار، وكأنها تتنفس. "النافذة لا تعرف، لكنها ترى." الصمت تحوّل إلى كلام، وكأنه يُذكرهم بسؤال لم يُطرح بعد. أطلقت رذاذًا من الغبار، وكأنها تتنفس. "النافذة لا تعرف، لكنها ترى." الصمت تحوّل إلى كلام، وكأنه يُذكرهم بسؤال لم يُطرح بعد. قال أحد الشباب بصوت متعب: "ماذا لو كانت ترى ما لا نريد أن نراه؟" ابتسمت عيناهما بمرارة. "ربما هي ترى أكثر مما نريد أن نرى." أحدهم تدحرج خطوة نحو النافذة المغلقة. "ماذا لو كانت تعرف أننا نبحث عن شيء غير موجود؟" الصمت طال، وكأن النافذة نفسها تفكر. "ربما هي تعرف، لكنها لا تقول." قال الآخر بفجأة: "ماذا لو كانت تعرف أننا سنضيع وقتنا هنا؟" الصمت تسلل بينهم كرائحة قديمة، وكأن النافذة تنتظر كلمتهم التالية. أحداهم تراجع خطوة، وكأنه يخاف أن يمسك بسُلّة النافذة. "ربما هي تعرف كل شيء." الآخر تردد: "حتى أننا نخاف من أن نرى." الصمت عاد، لكنه لم يكن كما قبل. كان أثقل، وكأنه يحمل أسراراً لم تُقال. النافذة كانت مغلقة، لكنها تُلمّح أحيانًا بضوء قديم ينعكس على زجاجها. قال الأول بغموض: "ماذا لو كانت تُخفي شيئًا عننا؟" الآخر تردّد: "أو ما لو كانت تُخفيه عن نفسها؟" الصمت تواصل، كأنه يبحث عن إجابة لا تُقال. النافذة لم تتحرك، لكنها لم تُغلق. الصمت عاد، لكنه لم يكن كما قبل. كان أثقل، وكأنه يحمل أسراراً لم تُقال. النافذة كانت مغلقة، لكنها تُلمّح أحيانًا بضوء قديم ينعكس على زجاجها. قال الأول بغموض: "ماذا لو كانت تُخفي شيئًا عننا؟" الآخر تردّد: "أو ما لو كانت تُخفيه عن نفسها؟" الصمت تواصل، كأنه يبحث عن إجابة لا تُقال. النافذة لم تتحرك، لكنها لم تُغلق. فجأة، سمعا صوتًا خافتًا من داخل الغرفة. لم يكن صوتًا بشريًا، بل كأنه صوت تذبذب في الهواء، كأن شيئًا ما يحاول الدخول. الأول تراجع خطوة، والآخر نظر إلى النافذة بعينين مملوءتين بالشك. ماذا لو لم تكن مغلقة أصلاً؟ الصوت تكرر، أكثر وضوحًا هذه المرة، وكأنه ينادي باسم لا يُذكر. الأول تجنب النظر إلى النافذة، بينما الآخر اقترب بحذر، يمسك بيدٍ خفيفة بحافة الزجاج. "ربما هي مجرد رياح"، قال بصوت خافت. "أو رؤيا"، أضاف الآخر، "أو ما لا يُفهم." فجأة، ارتفع صوتٌ من داخل الغرفة، عالٍ، غاضب، وكأن شيئًا ما يُصر على الظهور. الأول تراجع بسرعة، والآخر تجمّد. لم تتحرك النافذة، لكنها كانت مفتوحة. في اللحظة التالية، ظهرت شكلٌ مُعَدٍّ من الظلام، يُخفي وجهه، ويبتسم بابتسامة لا تُصدق. "أنا من هنا"، قال بصوت مُخيف، "وأنا هنا دائمًا." الصوت عاد، حادًّا، "أنا لا أخفي وجهي، بل أخفيه لك." نظر الأول إلى الآخر، مذهولًا. "ماذا تريد؟" سأل بصوت منخفض. "الحق"، قال الشكل، "وكل ما يُخفيه الظلام." تراجعت خطواتهم ببطء، مُستسلمين. "لنَخفيه معًا"، أضاف الشكل، "وكل ما يُخفيه الظلام." نظرت النافذة إلى الداخل، وغُطّت الأشعة التي دخلت من فجوة صغيرة. "لا"، قال الأول، "لن نخفيه." فجأة، تحركت النافذة، مغلقة بقوة، وغُطّت الظلام الغرفة. "أنا هنا"، قال الشكل، "وأنا هنا دائمًا."

التعليقات والمفضلة

سجّل دخولك للتعليق والحفظ

لا توجد تعليقات منشورة بعد.