في صباح يوم عاصف، بينما كانت مسنة تُدعى ليندا تتأمل زوايا حديقة مهجورة بجانب برج خليفة، وجدت علبة مُغطاة بالغبار والرطوبة. فتحتها بحذر، ووجدت فيها صورة قديمة للرجل الذي لم يُعرف اسمه، ويبدو أنه يحمل جهازًا غامضًا في يده. في تلك اللحظة، عادت ذكريات تختلط مع الوقت، حيث كانت تعمل كأرشيفية في مكتبة قديمة في دبي قبل سنوات. تذكرت يومًا أن هذه الصورة كانت تُعرض في معرض للفن التشكيلي، لكنها لم تُنشر أبدًا. احتفظت بها لسنوات، حتى تُكتشف الآن في مكان غريب. بدأت تفكر إن كانت الصورة تخبئ شيئًا، أو إنها مجرد حظ عابر. لكن جذبها لم يزد إلا في اللحظات التالية، عندما وجدت دفتر ملاحظات قديم مرفقًا بالصورة، ويبدو أنه يحمل معلومات عن رجل غامض اسمه حسن، كان يعيش في تلك المنطقة قبل عقود. وبدأت ليندا تبحث عن أثره، رغم أن الجميع ينكر وجوده. كانت تعلم أن بعض الأشياء تختفي لتعود بطرق غريبة، وربما كانت هذه الصورة جزءًا من ذلك. لم تكن ليندا تعرف أن اكتشافها سيبدأ رحلتها إلى عالم لا يُذكر في كتب التاريخ. كانت تبحث في مكتبة قديمة، تبحث عن أي معلومة يمكن أن تدعم وجود حسن، عندما وجدت دفترًا مُكتوبًا بخط يد رجل عتيق، يحمل نفس الاسم. في صفحات مُمزقة، وجدت أسماء أماكن لم تكن تعرفها، وصورًا مُتقطعة لشخص غامض يظهر في نفس المنطقة التي كانت تعيش فيها. كانت هناك ملاحظات عن أحداث غريبة، عن أشخاص اختفوا فجأة، وعن صور تظهر في أماكن لا تُعرف. بدأت تشعر أن شيئًا ما يتحرك خلف الورق، وأن الصورة لم تكن مجرد صورة، بل جزء من قصة لم تُنهِ بعد. بدأت تتبع الأسماء المكتوبة بعناية، واتضح أنها تشير إلى أماكن قريبة من منزلها، حتى أن بعضها لم يكُن موجودًا قبل سنوات. قررت زيارة أول موقع مذكور، وهو حي قديم في المدينة، حيث وجدت بابًا مُغلقًا، لكنه كان مُفتوحًا ببطء كأنه ينتظرها. دخلت بحذر، ووجدت صورة مُتقطعة لشخص يشبهها، لكنه كان يرتدي قميصًا أسود، ويدفعها بعيدًا من مكان ما. توقفت عندها، وبدأت تشعر بأنها تُراقب، فانحرفت وانقطعت الصورة فجأة. أعادت النظر، فوجدت أن الصورة لم تختف، بل تغيرت، وظهرت عليها عينان تلمعان من بعيد. دخلت بحذر، ووجدت صورة مُتقطعة لشخص يشبهها، لكنه كان يرتدي قميصًا أسود، ويدفعها بعيدًا من مكان ما. توقفت عندها، وبدأت تشعر بأنها تُراقب، فانحرفت وانقطعت الصورة فجأة. أعادت النظر، فوجدت أن الصورة لم تختف، بل تغيرت، وظهرت عليها عينان تلمعان من بعيد. أثناء تجولها في الحي القديم، وجدت مطعمًا صغيرًا مغلقًا، لكن الباب كان مفتوحًا ببطء. دخلت بداخله، ووجدت شاشة تلفزيون قديمة تعمل تلقائيًا، تُعرض لقطة لشخص يمشي في شارع شبه مهجور. فجأة، صوت عالٍ عالٍ أصدر من الميكروفون، قال: "لا تعودي إلى هنا، لا تعودي إلى هنا". تجمّدت، وشعرت بأن الأعصاب تنتفخ من الخوف. استمرت في المشي داخل المطعم، وجدت أن الشاشة تُعرض صورة جديدة، هذه المرة لشخص يجلس وحيدًا أمام طبق. صوت مجهول تلاها: "كلما عدت، قتلتها مرة أخرى". شعرت بالغثيان، وبدأت تبحث عن الباب، لكنه اختفى فجأة. أخيرًا، وجدت بابًا خلف الطاولة، وانفتحت عليه ببطء. وجدت نفسها في حي آخر، لكنه كان معروفًا بانعدام السكان. توقفت، فجأة شعرت باليد تَلمس ظهرها من خلفها.转身، وجدت وجهًا مجهولًا يبتسم لها. "أنا صورة، لا تعودي"، قال بصوت عالٍ. تجمّدت، وبدأت تسمع أصوات خطوات تقترب من خلفها. أثناء تفكيرها في كلمات الصورة، شعرت بخفقان في القلب. لم تكن تعرف إن كانت تلك الحقيقة أم خيالها، لكنها كانت تشعر بأنها تسير في دورة لا تنتهي. أخذت خطوات بطيئة نحو الظلام الذي يحيط بالحي. كلما تجاوزت زاوية، كانت تجد نفسها في مكان مختلف، لكنه دائمًا يحمل نفس الشعور بالانعزال. أخيرًا، وصلت إلى شارع فارغ، لا يوجد فيه سوى رصيف مغطى بالحشائش. توقفت، وبدأت تنظر حولها بانتباه. فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب من خلفها. تجمّدت، وشعرت بيد تلمس ظهرها من جديد.转身، وجدت وجهًا مجهولًا يبتسم لها. "أنا صورة، لا تعودي"، قال بصوت عالٍ. تجمّدت، وبدأت تسمع أصوات خطوات تقترب من خلفها. فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب من خلفها. تجمّدت، وشعرت بيد تلمس ظهرها من جديد.转身، وجدت وجهًا مجهولًا يبتسم لها. "أنا صورة، لا تعودي"، قال بصوت عالٍ. تجمّدت، وبدأت تسمع أصوات خطوات تقترب من خلفها. لم تعد تعرف إن كانت تتحرك أو لا. تراجعت خطوة، وفجأة، وجدت نفسها أمام مبنى مهترئ، نافذته العليا مكسورة. دخلت، ووجدت مكتبًا فارغًا، لكن هناك سجادة مُلوَّنة بألوان مُتداخلة. نظرت إلى الأعلى، ووجدت وجهًا يبتسم لها من الحائط. "الآن، تعلمي أنك تُصور"، قال صوت من خلفها. تجمّدت، وبدأ يديها ترتجف. "لا تعودي، لا تعودي"، همست لنفسها، لكن الصوت لم يزداد حدة، بل انخفض، وكأنه يحاول أن يطمئنها. نظرت إلى السجادة الملوَّنة، وفجأة شعرت ببرودة في ظهرها. "هذا ليس مكتبًا، بل مكتبة صور"، قال الصوت من خلفها بصوت هادئ. تحدّث بصوت ناعم كأنه يشرح لطفل. "كل صورة تُعيد البداية، تعيد الانتهاء، وتُعيد التحرك." رجّت رأسها، وبدأت تفهم أن ما تراه ليس مجرد حائط. "الصورة لا تُنشر، لأنها لا تُرى." أخذت خطوة إلى الأمام، وظهرت أمام شاشة بيضاء كبيرة. "أنت هنا لأنك أطلقت التصوير، الآن، اختر ما تريده أن تنشر." تجمّدت، وبدأت تنظر إلى السجادة، وكأنها تخبئ شيئًا ما. تبحث عينيها بحيرة، تمرّ بصور تراها بوضوح، لكنها لا تُرى. الصوت لا يتحرك، لكنه يرافقها كأنه في غرفة مظلمة. "لا تبحث عن الصورة، بل عن الجهة التي تراها فيها"، قال بصوت هادئ. نظرت إلى الجانب الأيسر من الشاشة، حيث بدت خفيفة، وكأنها مُستعارة من مكان ما. اقتربت ببطء، وظهرت صورة قديمة، لرجل يحمل كاميرا في يده. توقفت، وبدأت تفهم أن هذا ليس مكتبة صور، بل مكتبة ذكريات. "الصورة لا تُنشر لأنها تنتظر من يُعطيها حياة"، قال الصوت. ترددت، ثم شعرت بأنها تملك قوة لا تُقدّر بثمن. نظرت إلى الصورة بعناية، وبدأت أرى التفاصيل التي لم ألاحظها من قبل. الوجه المُخفي وراء القلادة المعدنية، والعينان اللتين تلمعان كأنهما تراقبان. "هذا هو المفتاح"، قال الصوت مُحدثًا تغييرًا خفيفًا في نبرة صوته. شعرت بأنني أخطو خطوة نحو أسرار لا تُعلّمها الأفلام. نقرت على الصورة، وانفتحت نافذة جديدة، تظهر فيها صورٌ أخرى، كلها تختفي عندما أحاول تدوينها. "الذكريات لا تُنفَّذ، بل تُرَوَّج"، قال الصوت، وكأنه يعلم ما أفكر فيه. ابتسمت خفيفًا، وأدركت أنني لم أكن أبحث عن صورة، بل عن شخص. انحنت للكاميرا، وشعرت بأنها تلمع أكثر، وكأنها تنتظر مني أن أفعل شيئًا ما. فتحت خزانتي، وبدأت أقلب صورًا قديمة، أبحث عن شيء يشبه الصورة التي رأيتها. لم أجد شيئًا، لكنني شعرت بأن شيئًا ما يتحرك في ذهني، كأنه يحاول أن يخرج. "من أنت؟" سألت بصوت خافت، وكأنني أتحدث لنفسي. لم أستطع أن أفهم لماذا أشعر بأنني أعرفه. "أنا الذي يحمل الذكريات"، أجاب الصوت، "وأنا الذي يبحث عنك". توقفت عن التنقل بين الصور، وبدأت أشعر بأنني أقترب من حقيقة ما لا أستطيع أن أشرحه. استمرت الصورة في الظهور في أفكاري، وكأنها تلمع من بين أكوام الذكريات المغطاة بالغبار. تذكرت لحظة كنت ألعب مع صديقي في الحديقة، وربما كانت الصورة تتعلق بذاك اليوم. لكنني لم أستطع أن أتذكر تفاصيلها بدقة. "من أنت؟" سألت مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت أكثر ثقة. "أنا الذي يحمل الذكريات"، أجاب الصوت، "وأنا الذي يبحث عنك". شعرت بأنني أقترب من حقيقة ما لا أستطيع أن أشرحه. لم أستطع مقاومة الدعوة، فبدأت أقلب الصور مرة أخرى، لكنني لم أجد شيئًا. وفي اللحظة التي شعرت فيها بأنني أعرفه، فتحت الباب فجأة، ودخل شخص غير مألوف، والجميع في الغرفة تجمّدوا. دخل الشخص بخطوات ثابتة، وكأنه يحمل سرًا لا يمكن تجاهله. الجميع في الغرفة تجمّدوا، حتى أنفاسهم توقفت كأنها تنتظر تأكيدًا. نظرت إليه بدهشة، وشعرت أنني أراه في مكان ما من حلمي القديم. "أنت... أنت من الصورة"، بدأت أقول بصوت خافت، "لكنني لم أفهم كيف...". نظر إليّ بعينين تلمعان بالضوء الأزرق، وكأنهما يحملان ذكريات لا تُنسى. "الصورة لم تُنشر بعد"، قال بصوت هادئ، "لكنها ستُنشر يومًا ما". تجمدت الكلمة في شفتي، وكأنها لا تُصدق ما يسمعه. "لماذا أنت هنا؟" سألت. نظر إليّ ثم حول نظره إلى الصور المتراكمة على الطاولة. "لأنك لا تزال تبحث عن الحقيقة." أدركت أنني لا أكون وحيدًا في هذا المكان. الصور التي تحيط بي، كلها تراقبني، تتنفس معني، كأنها تنتظرون لحظة معينة. "لماذا تراقبني؟" سألته بصوت متهدج. نظر إليّ مرة أخرى، ثم ابتسم. "نحن ننتظر من يُدرك أن الحقيقة لا تُخفي، بل تُخفي نفسها." شعرت بخفقان في صدري، وكأن هناك شيء ما يتحرك داخل الصور. "ماذا يحدث إذا نُشرت الصورة؟" سألت، وبدأت أشعر بالقلق. نظر إليّ بعينين تلمعان بضوء أزرق، وكأنهما يحملان معرفة لا يمكن تجاهلها. "ستتغير كل شيء." قال بصوت هادئ، "لكن لا تخف، ستصبح أنت من يقرر ما سيحدث بعد ذلك." لم أكن أعرف أن الصورة التي بحوزتي تحمل سرًا لا يُُعلن، وانعكاسات ذلك تصل إلى أبعد من مجرد صورة. نظرت إليه متأملة، وكأنني أبحث عن لحظة تساعدني على فهم ما يجري. "كيف يمكن أن تغير الصورة كل شيء؟" سألته بصوت منخفض، وكأنني أخاف أن يسمعها أحد آخر. ابتسم ثانية، ثم قال: "لأن الصورة ليست مجرد صورة، بل هي مفتاح لعالم لا تعلم عنه شيئًا." شعرت بصدمة، وكأن هناك شيء يتحرك داخل الصورة، ينتابني شعور غريب بأنها لا تزال تتنفس. "ماذا لو لم أُنشرها؟" سألت، وبدأت أشعر أنني أبتعد عن الواقع. "ستبقى مجهولة، ولكنها ستنتظرك." قال وهو يشير إلى الصورة. "ماذا تعني ذلك بالضبط؟" الصمت امتد بيننا، وكأن الزمن نفسه ينتظر إجابة. نظرت إلى الصورة مرة أخرى، وشعرت بأنها تلمح لي من خلف الورق. "كيف يمكن أن تنتظرني؟" سألت بصوت خافت. ابتسم مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت مختلفة، وكأنه يخفي شيئًا ما. "لأنها لا تنتهي عند الورق، بل تبدأ من حيث تنتهي." حاولت أن أفهم ما قاله، لكن كلماته كانت تشبه الحلم الذي لا ينتهي. "ماذا سيحدث إذا نُشرت؟" سألت، متيقنة أن الإجابة ستغير حياتي. نظر إليّ بعينين تشعان بضوء غامض، ثم قال: "ستتغير كل شيء." لم أكن أعرف ماذا أفعل، فكل شيء بدا وكأنه يتحرك خارج نطاق فهمي. ابتسمت بمرارة، وسألت: "ماذا لو لم أرها أبدًا؟" لم يبتسم هذا المرة، بل نظر إليّ بعينين تلمعان كأنما يخترقان عالمي. "الصورة ليست مجرد صورة، بل هي مفتاح." توقفت عن الحركة، وكأنني أنتظر كلامًا لا أريد سماعه. "لقد اخترتها لأنك تمتلك قلبًا يرى ما لا يرى الآخرون." شعرت بانزعاج غريب، وكأن هناك شيئًا ما ينتظر مني. "ماذا سأفعل؟" سألت بصوت رقيق. "ستفهم عندما تبدأ." لم أستطع إجابة، فكلماته كانت تشبه نداءً لا أعرف من أين يأتي. كان يتحرك بهدوء، كأنما يحمل عبء لا يُفهم. "الصورة تُخفي حقيقة لا تُرى بعيني الجسد." نظر إليّ، وكأنه ينتظر إجابة لا أملكها. "هل تعلم أن هناك أشخاصًا يبحثون عنها؟" سأل بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يسمع إجابته. شعرت بقشعريرة، لم أستطع التفكير. "لماذا أنت هنا؟" سألته بخفة. "لأنك مفتاحها." لم أفهم، لكن شيء بداخلي بدأ يتحرك. "ماذا ستفعل؟" "ستفهم عندما تبدأ." لم أستطع إجابة، فكلماته كانت تشبه نداءً لا أعرف من أين يأتي. في تلك اللحظة، تغيرت نبرة وجهه من المتعب إلى المُحْرِج. "لا أقصد أن أكون مريبًا، لكن هناك تفاصيل... تفاصيل لا تُرى." شدّت شفتيه، وكأنه يخفي أشياء لا يرغب في تفويتها. "لقد اكتشفت شيئًا، وبدأت أتساءل... هل أنا جزء من هذا أو عدو له؟" لم أستطع إجابة، فكلماته تشبهت ألغازًا تنساب من بين أصابعي. شعرت بأنني أتحرك في دائرة لا نهاية لها، كلما تقدمنا، زادت الغموض. "لماذا تعتقد أنني مفتاحها؟" سألته بتردد. "لأنك تملك ما تبقى من الحقيقة." لم أعرف ماذا أقول، فما يبقى من الحقيقة لم يكن في أيدينا. قالت لي بابا بصوت خافت: "لقد وجدت مذكرة في مكتبة القديم، لم تكن مكتوبة بحبر، بل بدم... كانت تخبر عن مغارة تُدعى 'النور المفقود'، وتحتوي على أسرار لا تُقدّر بثمن." شعرت بالرعب ينساب في عروقي، "كيف تعرف أنني سأكون مفتاحها؟" "لأنك تملك القصة، وربما تملك الحقيقة." نظرت إليه بدهشة، "ماذا يعني ذلك؟" "أنا لا أعرف، لكنني أشعر أنك تبحث عن نفس الشيء الذي أبحث عنه." توقفت عن المشي، "ماذا تبحث عنه؟" نظر إلى السماء، "النور الذي فقدناه." استمرت خطواتي تتردد في صمت غامض، بينما كان صوته يحمل إحساساً بالانفصال عن الواقع. "النور الذي فقدناه"، كرر فجأة، وكأنه يبحث عن معنى يُخفيه في كلماته. توقفت، وبدأت أستعرض ذكرياتي، فماذا فقدنا بالضبط؟ لم أكن أتذكر، لكن نظرته كانت تشبه تلك التي تُلقيها أعين من فقدوا شيئًا لا يُمكن استعادته. "لماذا تبحث عنه؟" سألته بجرأة. نظر إليّ بعينين مُتعبتين، "لأنه يحمل إجابات لا تُفهم إلا من يعرف ما فقدناه." توقفت، وأنا أشعر أنني أقترب من شيء ما، لكنه لم يكن واضحًا، بل كان كأنه خلف صراعاً داخلياً لم أكن أعرفه. كانت الشمس تُخفي أضواءها خلف سحابة رمادية، بينما كان يسير بخطوات بطيئة، كأنه يحمل سرًا لا يريد أن يُخفيه، لكنه لا يستطيع أن يُعبّر عنه. شعرت بحاجة ماسّة لفهمه، فسألته: "ماذا فقدتَ؟" تجمّع شعره من خلف رأسه، ونظر إليّ كأنه يرى في عينيّ صورة لا يريدها أن تظهر. "فقدتُ قدرتي على التوقف"، قال بصوت خافت، "كلما حاولت أن أستقر، تزداد الأمور تعقيدًا." توقفت، وربما كنت أفهمه أكثر من أي وقت مضى. لم يكن يبحث عن شيء، بل عن طريقة للبقاء في الحركة دون أن يفقد الاتجاه. كان يمشي ببطء، وكأن كل خطوة هي تذكير له بسرّه. لم أستطع أن أبقى ساكتة، فقلت: "لكن ماذا تفعل الآن؟" نظر إليّ بعينين تعبتين، ثم قال: "أحاول أن أتحرك باتجاه ما لا أعرفه." شعرت بحزن في صدري، فقلت: "هل لا يمكنك أن تنتظر؟" ابتسم بابتسامة متعبة: "لا أستطيع الانتظار، لأن الانتظار هو نوع من التوقف." توقفت عن المشي، وظلّت أراقبه. كان يحمل عبء لا يدركه أحد، وربما كان يبحث عن إنسان يفهمه. أردت أن أتبعه، لكن قدمي ترتعشان. لم أكن أعرف ما الذي أبحث عنه، لكنني أعرف أنني أحتاج أن أتحرك. سألته: "إلى أين تذهب؟" نظر إليّ من جديد، وكأنه يحاول قراءة أفكاري. "إلى حيث يأخذني الاتجاه الذي لا أعرفه"، قال بصوت خافت. شعرت أنني أتشاركات في سر لا أفهمه. "أنا أتبعك"، قلت أخيرًا. ابتسم، وبدأت أمشي بجانبه. لم أكن أعرف أين نحن، لكنني أعرف أنني أتحرك، وأنني أبحث عن شيء. ربما هو، أو ربما أنا. في طريقنا، توقفنا أمام مبنى قديم مغطى بالطحالب، شكلت أشجاره كأنها ترقبنا. "هذا المكان لم يعد مأهولاً"، قلت. نظر إليّ بعينين تلمعان بغموض. "لكن هناك ما يبقى من ذكريات"، قال. دخلنا، ورائحة التراب والرطوبة سحبتنا. كانت الأضواء مطفأة، لكن زجاج النوافذ يعكس ضوء القمر. "أنا أبحث عن شيء"، قال بصوت منخفض. "أنا أبحث عنك"، قلت. توقفت، وشعرت بالبرودة تملأ الهواء. "هل تعلم أنك تبحث عن نفسك؟" قال. لم أفهم، لكنني أدركت أنني لن أعود كما كنت. كنا نسير بين الجدران التي تعلوها رطوبة القرون. "هذا المكان لا يزال يحمل أصواتنا"، قال بصوت خافت. شعرت بأنني أسمعها، أصوات الضحك والكلام، لكنها كانت تأتي من الأعماق. توقفت أمام باب مغلق، "هذا الباب لم يفتح منذ سنوات"، قال. لكنه فتح بسهولة، وكأنه ينتظرنا. دخلنا، ووجدنا غرفة مظلمة، لكن الضوء القمري ينفذ من النوافذ ويُلطّخ الجدران باللون الأزرق. "هنا تكمن الحقيقة"، قال. شعرت بأنني أتنفس بعمق لأول مرة. "هل تعلم أنك لم تعد تبحث عن شخص آخر؟" قال. نظرت إليه، وشعرت بأنني أفهم. توقفت، وقلت: "أنا أبحث عن حقيقة ما تبقى مني." في غرفة الظلام، تدريجًا، بدأت الأضواء تظهر كأنها تتحرك من زاوية مجهولة. "هذا ليس مكانًا لخوفك"، قال بصوت هادئ. نظرت حولي، ووجدت أن الحائط قد تحول إلى مرآة متشظية، تعكس صورًا من حياتي التي لم أفكر فيها منذ زمن. "أنت لا تبحث عن شخص، بل عن ما تبقى من نفسك"، تكرر صوته. شعرت بالجوع، لكنه أخرج من جيبه قطعة خبز متسخة. "هذا ما تبقى منك"، قال، بينما تدريجًا، بدأت أدرك أنني لم أكن أبحث عن أحد، بل عن ذكرياتي التي ترفض أن تُنسى. أمسكته بالخبز، وشعرت بحرارة ملتهبة تنتقل من قطعة الخبز إلى يدي. "من أنت؟" سألته بتردد. ضحك بابتسامة غامضة، "أنا ما تبقى منك، ما تبقى من ذكرياتك التي لم تُنسى." تنهدت، وبدأت أتذكر يومًا قديمًا، يومًا لم أفكر فيه منذ سنوات. "كان هناك حديقة..." بدأت أقول، لكنه قطعني. "لا تبحث عن الماضي، بل ابحث عن الحاضر." شعرت بصدمة، وكأن هناك شيء ما يتحرك في الظلام. تدريجًا، بدأت أسمع صوتًا خافتًا، وكأن صوتي يتردد من زاوية غير محسوسة. "من أين أنت؟" سألته مرة أخرى. "من أين أنت؟" ردّ، وكأنه يسألني أنا. الصوت أخذ يصبح أوضح، وكأنه يخرج من مكان قريب. تدريجًا، شعرت بيد باردة تمسك بي. "أنا... أنا لا أريد أن أذهب." صرخت، لكن صوتي كان هامشًا في الظلام. "الماضي لا يعود، لكن الذكريات تبقى." قال الصوت، وكأنه يحمل صوت أمي القديمة. فجأة، شعرت بضوء خافت يظهر من بين الأشجار. لم أكن أعرف ما الذي يحدث، لكنني شعرت بأنني أعود إلى الحديقة التي ذكرتها، لكنني لم أكن وحدي. في تلك اللحظة، نظرت إلى الوراء، ووجدت صورة لطفل يقف هناك، يحمل صورة لشخص آخر... كنت أنا. استمرّ الصوت، "هذا هوك، لكنك لم تُنشر بعد." نظرت إليه ب удивازة، "لكنني... لم أكن أريد أن أعود." "العالم لا ينتظر أحدًا، ولا يُنشر أحد إلا إذا حضر الوقت المناسب." شعرت بصدمة، "لكن ماذا عن ذكرياتي؟" "ستبقى، لكنك لن تُنشر إلا عندما تكون جاهزًا." شعرت بصدمة، لكنني شعرت أيضًا براحة. "ثم... ماذا؟" "ستعود إلى حيث بدأت، ولكن هذه المرة، ستسجل." فجأة، شعرت بضوء يُحيط بي، وبدأت أشعر أنني أُنشر... لأول مرة. فجأة، شعرت بضوء يُحيط بي، وبدأت أشعر أنني أُنشر... لأول مرة. توقفت عن التنفس، ثم سمعت صوتًا من بعيد: "هذا هو اللحظة." شعرت بقوة تُسحبني إلى الأمام، وبدأت أرى أشياء في ذهني تُنظم نفسها، تُنظم ذكرياتي كأنها صفحات تُرتَّب. شعرت بالارتباك، لكنني لم أستطع التوقف. "ستُنشر الآن،" صوت هوك يُقرّر لي. في اللحظة التالية، شعرت بأنني أكون جزءًا من شيء أكبر، كأنني أصبحت جزءًا من القصة نفسها. وفجأة، سمعت صوتًا يقول: "تم النشر." ثم توقفت، ووجدت نفسي في مكان غير مألوف، لكنه كان مألوفًا جدًا... كأنني عدت إلى البداية، لكنني لم أعد نفس الشخص.
‹ تصفّح القصص
رعب وغموض
الصورة التي لم تُنشر
في حديقة مهجورة بجانب برج خليفة، وجدت مسنة تُدعى ليندا صورة قديمة، وبدأت رحلتها لفك لغزها قبل أن تختفي من جديد.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓