‹ تصفّح القصص
رعب وغموض

القلم الذي لم يُستخدم

في معرض فني فاخر بجدة، اختفت قطعة فنية تُعتبر أسرارًا من الماضي، بينما كانت المراقبة تُمارس بصمت.

(بتوقيت فلسطين)

ابدأ القراءة ↓
غلاف القلم الذي لم يُستخدم

استمع للقصة

قراءة مريحة

في أحد فناء معرض الفنون الحديثة بمدينة جدة، حيث تلتقي الفنون بالعصر، كان هناك معرض خاص يحمل اسم 'الضوء والظل'. شاركت به عدة مبدعات من مختلف أنحاء العالم، لكنها تجمع بينها لحظة واحدة: اختفاء قطعة غير معروفة. لم تكن القصة معروفة للعامة، بل تدور خلف الكواليس، حيث تُدار المراقبة بصمت، بين الحجارة والزجاج. رئيس المعرض، أحمد بن رشدي، لم يكن مجرد منظم، بل كان شاهدًا على صراعات لا تُعلن، وصراعات مكتوبة على أوراق لا تُنشر. في يوم مُحدد، تفاجأ بغياب قطعة تدعى 'القلم الذي لم يُستخدم'، التي كانت مُعلقة على الجدار المقابل للدخول. لم يكن هناك دليل، ولم يكن هناك صوت، فقط ملاحظة دقيقة لمسافة تبدو غير ملحوظة. لم تكن المجموعة تعرف أن هذه القطعة كانت تُخفي سرًا، وسرًا واحدًا فقط. في تلك الليلة، قرر أحمد التحقق من المعرض رغم إغلاقه. تجول بين الحجارة والزجاج، مُستعيدًا ذكريات السنوات التي مرّت. فجأة، لاحظ تغييرًا في مكان 'القلم الذي لم يُستخدم'. لم يعد معلقًا، بل كان مُخفيًا داخل رف مغلق. قرر فتحه بحذر. داخله، وجد ورقة مُكتوبة بخط يد مجهول. كانت مكتوبة بأسلوب أقرب إلى الشعر، تُذكر تفاصيل عن صراعات لم تُسمع بها، وصراعات مُكتوبة بالقلم نفسه. لم يكن يعرف إن كان صاحبها من العاملين، أم من الزوار، أم من الأسرار نفسها. في تلك اللحظة، اقترب من الرف ببطء، يحاول التغلغل في الغموض الذي يحيط بالورقة. "من كتب هذا؟" سأل نفسه بصوت خافت، وكأنه ينتظر إجابة من مكان لا يعلم أين هو. فجأة، صوت طفيف أتى من خلفه، جعله ينقلب بسرعة. كانت امرأة شابة، ملابسها رمادية، عينها تلمع بغموض. "أنا سمعت صوتك،" قالت بصوت منخفض. "هذا المكان يحمل أسراراً لا يُعترف بها." نظرت إليه بعينين مليئتين بالحزن، كأنها تعرف كل ما تخبأه القلم. "هل تعرف من كتب هذه الورقة؟" سألته، وتحت عينيها تظهر خيوط من الدم. استدارت المرأة ببطء، كأنها تبحث عن شيء خلف جدران المكان المظلم. "القلم،" قالت بخفة، "هو الذي كتبها. لكنه لم يُستخدم أبداً. لا أحد يعلم أن هناك قلمًا يحمل أسراراً لا تُ说出来." نظر إليه بعينين تلمعان بالخوف. "هل تريده أن يُستخدم؟" سألته بصوت منخفض. "إذا فعلت، فستكون جزءاً من القصة. لكن ستكون مسؤولًا عن ما يخرج من كلمات هذا القلم." رجّ القلم في يده، كأنه ينتظر أمره. "لا أريد أن أعرف،" قال بصوت خافت. "أنا فقط أحاول فهم ما حدث." نظرت إليه، ثم ضحكت بصوت خافت. "الكلمات تعرف ما تريده،" قالت، "وهي ستُخبرك." القلم تراجع عن حركته، كأنه يفكّر. تجاهل الظلال التي تملأ الغرفة، وظلّ يحمله بين أصابعي، ثقيلًا كأنه حملت جزءًا من الماضي. "ماذا سيحدث إذا استخدمته؟" سألته بصوت منخفض. "ستكتب القصة،" أجابت، "لكن ماذا بعد؟" توقفت عن التحدث، فكأنه ينتظر جوابًا. تراجعت خطواتي ببطء، وكأنني أحاول تجنب ما لا أريد أن أراه. "أنا أخشى أن أكون جزءًا من القصة،" قلت، "وليس القلم." نظر إليّ، ثم ضحك بصوت خافت. "الكلمات لا تعرف الخوف،" قال، "لكن البشر يفعلون ذلك." توقفت عن الحركة، وكأنني أنتظر ما سيعقب ذلك. أصبحت أفكر في كل كلمة أقولها، وكأنني أخاف من أن تُستخدم ضدّي. "لماذا تفعل ذلك؟" سألت بصوت متعب. "لأنني أبحث عن الحقيقة،" قال، "وأنا أعلم أنك تعرفها." نظر إليّ بعينين تلمعان بالتحدي، وكأنه يحاول اختباري. "أنا لا أملك الحقيقة،" قلت، "أنا فقط أتذكرها." ضحك، لكن ضحكه لم يكن مريحًا. "الذاكرة ليست دائمًا صادقة،" قال. "لكنها تبقى." شعرت بانعدام التوازن في قلبي، وكأنني أحمل شيئًا لا أستطيع أن أصل إليه. "ماذا لو كنت جزءًا من القصة؟" سألت بتردد. توقف، ثم قال بصوت منخفض: "ربما تكون، لكن لا تنسَ أن الكلمات تكتب كل شيء." القلم في يده كان يلمع كأنه يحمل سرًا لا يُفصح عنه. نظر إليّ مجددًا، وكأنه يحاول قراءة ما في قلبي. "لقد كتبتها،" قال بصوت هامس، "لكنها لم تُقرأ بعد." شعرت بحيرة عميقة، وكأن كلماتي لم تعد تكفي. "ماذا تقصده؟" سألت بصوت خافت. ابتسم بعبارة غامضة، ثم أخرج القلم من جيبه ببطء. "هذه ليست مجرد قلم،" قال، "هذا هو المفتاح." شعرت بالقلق، وكأنني أقترب من حقيقة لا أريد أن أدركها. "ماذا يحدث إذا استخدمته؟" تعلق صوتي بخوف. توقف، ثم قال: "ستعرف الحقيقة، لكن ربما لن تعود كما كنت." نظرت إليه في عينيه، وكأنه يخفي شيئًا لا يمكن تجاهله. "لماذا لا تستخدمه الآن؟" سألت، رغم خوفي. ابتسم، لكن ابتسامه لم يكن مطمئنًا. "لا يمكنك أن تعرف الحقيقة دون أن تمر بتجربة." ترددت، "هل تعرف ما الذي سيحدث؟" رمش عينيه ببطء، وكأنه يُمعن في فكره. "ربما تنسى كل شيء، أو تكتشف أنك لم تكن أنت." شعرت بصدمة، وكأنه يمسك بخيط مجهول. "لكنني لا أريد أن أنسى." "الحقيقة أحيانًا لا تُنسى،" قال بصوت ناعم، "وقد تُعيدك إلى الوراء." لم أستطع التحرك، وكأن القلم في يده يحمل قوة لا يمكن التحكم بها. أردت أن أطلب منه أن يشرح أكثر، لكن صوتي بدا خافتًا. نظر إليّ مرة أخرى، وكأنه يرى شيئًا لا أراه. "القلم ليس مجرد أدوات،" قال، "هو ارتباط، وربما مفتاح." شعرت بدهشة، "لماذا تمسك به؟" همس بابتسامة غامضة، "لأنه يحمل أسرارًا لا تُكتب بالكلمات." نظر إلى الورق الذي لم يُمسّ، وكأنه ينتظر لحظة محددة. "أنا هنا لأُعيدك إلى الوراء،" أضاف، "لكنك يجب أن تختار." شعرت بخوف غريب، وكأنني أقف على حافة كفاف. "ماذا يعني ذلك؟" ترددت بتردد. لم يُجيب، بل أومأ بيده ببطء نحو القلم، وكأنه ينتظر قرارًا مني. القلم لم يتحرك، لكنني شعرت بخفة تنساب من بين أصابعي. "ماذا سأختار؟" سألت بصوت خافت. هز رأسه ببطء، "الكتابة أو الحذف." نظرت إليه في صدمة، "كيف يمكن أن أختار بينهما؟" لم يُجيب، لكن وجهه اسودت عليه ظلال. شعرت بحَرْقٍ في داخلي، وكأنني أحمل عبء قديم. "الكتابة،" قلت بتردد، "أنا أريد أن أكتب." ابتسم، لكنه لم يُجيب. تدحرج القلم على الطاولة، وانطفأ الضوء. عندما فتحت عيني، كنت أكتب، لكن الكلمات لم تُكتَب. فقط خيوط من الظلام تنساب من بين أحرفها. انحنت لأعلى، وبدأت أتبع خيوط الظلام التي تنساب من بين الحروف. كانت تتحرك ببطء، كأنها تهرب مني. فتحت عيني، ووجدت القلم مُغمضاً، وظلل الظلام يتشكل من حولي. "لماذا لا تكتب؟" سألته بصوت خافت. لم يُجبني، بل تجاهلني. شعرت بالخيبة، وكأنني اخترت بشكل خاطئ. "هل أنا لست كاتبًا؟" لم يُجبني، لكن ابتسمت مرات عديدة. في تلك اللحظة، توقفت الظلام عن الحركة، وانtractedت كأنها تنسحب إلى الأبد. فتحت عيني، ووجدت القلم مُفتوحًا، والكلمات تنساب من بين أصابعي، مكتوبة، حية، وواقعية. أخيرًا، أستطيع أن أكتب. نظرت حولي، ووجدت أنني في غرفة مظلمة، بجوار طاولة مغطاة بورق وقلم. شعرت بحيرة، وكأنني في حلم. "من أنت؟" سألني القلم بصوت خافت. "أنا كاتب، لكنني لا أستطيع الكتابة." نظر إليّ بعينين ملمعتين. "الكتابة ليست مجرد حروف، بل رحلة، وثقة، واعتراف بأنك تستحق أن تكتب." توقفت عن التفكير، وبدأت أكتب، بكلمات لم أكن أتصور أنني سأكتبها. تدريجياً، شعرت بأن القلم ليس مجرد أداة، بل صديقٌ يمنحني الجُرأة. في النهاية، أدركت أنني لم أختر بشكل خاطئ، بل كان القلم الذي اخترته هو الذي كان ينتظرني.

التعليقات والمفضلة

سجّل دخولك للتعليق والحفظ

لا توجد تعليقات منشورة بعد.