‹ تصفّح القصص
قصص اجتماعية

نافذة المدينة

في زاوية تورونتو، حيث تلتقي الحضارات، تعيش فنانة تسعى لكتابة مسرحية عن تراثها، لكن المدينة ترفض أن تسمح لها بالتعبير.

(بتوقيت فلسطين)

ابدأ القراءة ↓
غلاف نافذة المدينة

استمع للقصة

قراءة مريحة

في حي شمالي تورونتو، حيث تختلط أصوات الأجراس بالموسيقى العربية، تعيش نورا، فنانة مسرحية في الثلاثينيات من عمرها. كانت تكتب مسرحية تجمع بين تراثها السوري وواقعها الكندي، لكن عندما نشرت مقطوعة من المسرحية في مهرجان صغير، أثارت جدلاً في مساحة المجتمع المختلط. البعض اعتبرها تهكمًا على الهوية، بينما أخرون وصفوها بأنها تدمير للهوية. نورا، التي اعتادت أن تجد في الأداء المسرحي لغة تفهم الجميع، وجدت نفسها الآن في صراع مع ذاتها، مع قدرة على التعبير تتحول إلى قيود. في نفس الوقت، كانت تعيش في شقة صغيرة بجانب سوق عراقي قديم، حيث تلتقي أصوات الأطباق وصوت الأجراس، وتنقش فنًا يجمع بين الثقافات. لكن المدينة، التي تزعم أنها تدعم التسامح، تبدأ في توجيه نظرات مريبة نحو نورا. في إحدى الليالي، بينما كانت تجلس في نافذتها المفتوحة، سمعت صوتًا يخترق ضجيج المدينة: حكاية لم تسمعها من قبل، قصة تبدأ بخطوة واحدة نحو التغيير. في تلك الليلة، بينما كانت نورا تراقب المدينة من نافذتها المفتوحة، استيقظت على صوت غريب يحمل إيقاعًا مختلفًا عن الضوضاء العادية. كانت نغمات ألحان مزيجًا من الألحان العربية والآسيوية، تتردد من باب الشقة المجاورة. نظرت بفضول نحو الباب، فوجدت امرأة مسنة تجلس على كرسي، ترتدي قبعة قديمة وحذاء قديم، تغني بصوت رقيق يحمل في طياته حكايات لم تعد مسموعة. تبادرت نورا إلى التحية، وبدأت المحادثة تأخذ طريقًا غريبًا. كانت المرأة تقول إنها كانت تغني في الأحياء القديمة، وتشير إلى الأصوات التي كانت تسمعها من قبل، والتي تختفي مع مرور الزمن. كانت نورا تسمع من كلامها قصة لم تكن تعرفها، قصة عن صمت الأصوات التي تُهمل، وحكايات تُنسى، لكنها تبدأ بخطوة واحدة نحو التغيير. قالت نورا بصوت خافت: "هل تعتقد أن الأصوات تختفي فعلاً؟ أم أنها فقط تختبئ في الأماكن التي ننسى النظر لها؟" ابتسمت سي بابتسامة تعكس حكمة من زمن لم يعد يُذكر. "الصوت لا يموت، بل يتحول، يختفي في الأصوات الأخرى، لكنه لا يزال موجودًا في الذاكرة، وفي الأشخاص الذين يحملونه." نورا تأملت وجهها، وكأنها تبحث عن شيء ما. "إذا كانت الأصوات لا تموت، فهل يمكننا استعادتها؟" "نعم، لكن ذلك يحتاج إلى من يصغي ويسمع بقلب مفتوح." أطلقت نورا ضحكتها الهزيلة. "ربما أنا تلك الشخصيات التي لم تعد تسمع." "ربما أنت أول خطوة نحو أن تبدأ في سمعها." الصمت الذي دام لأيام أخيرًا تحول إلى حوار، أو على الأقل إلى تواصل غير مباشر. نورا كانت تجلس على كرسيها المكسو بالفراشة التي لم تعد تتحرك، بينما جلس معها شخص غامض يُدعى سامي. لم يكن يعرف كيف تحدث، لكنه انتظر أن تبدأ هي. لم تُجيب فورًا. تأملت يدها اليسرى، التي كانت تمسك قطعة ورق ممزقة. "أنا أحاول أن أستعيد شيء، لكنني لا أعرف ما هو." "أحيانًا، ما نحتاجه هو أن نبدأ من آخر شيء سمعناه." "ماذا يعني ذلك؟" "أن تبدأ بسماع الأصوات التي تُسمعها الآن." "لكنها لا تهم." "ربما لأنك لم تسمعها بعد." لم تتحرك الفراشة، لكنها كانت تتنفس ببطء، كأنها تسمع شيئًا لم يسمعه أحد من قبل. سامي نظر إلى وجهها بتركيز، وكأنه يبحث عن شيء خفي داخل زاوية عينيها. "ربما لا تحتاجين إلى أن تسمعها، بل أن تشعر بها." لم ترد، لكن يدها اليسرى توقفت عن لمس الورق الممزق. "أنا أسمعها... أسمع صوتًا يرفرف... كأنه يناديني من خلف النافذة." "ربما هو صوت النافذة نفسها." "أنا أحاول أن أستعيد شيئًا..." "أو ربما، تبحثين عن شيء لم تفقديه." تسأل سامي بحيرة: "ماذا لو كنت أحاول أن أسمعها؟" "لكن ماذا لو كانت لا تسمعك؟" تسكت لحظة، ثم ترفع رأسها ببطء، كأنها تنظر إلى شيء خلف الزجاج. "لا أعرف... أشعر أن هناك شيئًا ينتظرني... منذ زمن بعيد." "هل تعلمين ماذا ينتظرك؟" "لا... لكنني أشعر أنني أملك مفتاحًا لفهمه." "وهل تعلمين أين يكمن هذا المفتاح؟" "في الظلام... وفي الضوضاء... وفي الصمت الذي لا ينتهي." تسارع خطواتها ببطء، وكأنها تمشي على حافة الحقيقة. "ربما هو داخل هذه النافذة... أو خارجها." أخرجت حقيبتها الصغيرة من تحت ذراعها وفتحتها ببطء، كأنها تفتح قفلًا مجهولًا. "هنا،" قالت بصوت خافت، "هنا في هذه الحقيبة... أشياء لا أعرف كيف تجمعها... بعضها يعود لأشهر... البعض الآخر لا أعرف متى جلبه." "هل تعلمين ما تبحثين عنه؟" "لا... لكنني أشعر أنني أحمله معني... أشعر أنني أملكه منذ أن وُلدت." استدارت ببطء، كأنها تنظر إلى الظلام خارج النافذة، ثم نظرت إليه من جديد. "ربما هو داخلك... أو خارجك... أو ربما هو في كل مكان." الصمت ساد ثانية، كأنما ينعكس من الظلام الذي يحيط بهما. "هل تعلمين كيف تفتحينه؟" "لا... لكنني أشعر أنني أقترب من الحقيقة." الصمت أخذ يطول، وكأنه يتنفس معهم، يحمل معه ذكريات لا تُنسى. لم تُحدثه أي حركة، لكنه شعر أن هناك جسرًا يُبنى بينهما، صغيرًا لكنه متين. "ربما لا تحتاجين إلى فتحه"، قال بصوت خافت، "ربما هو مجرد نافذة... نافذة المدينة." نظرت إليه بعينين مليئتين بالفضول، كأنما تكتشف شيئًا جديدًا في عالمها. "فإن لم تُفتح، كيف تعرف أن هناك ما وراءها؟" لم تجب، بل تراجعت قليلاً، وكأنها تبحث عن الجواب في ظلام الغرفة. "ربما هو في المكان الذي تهربين منه." شعر أنها تبتسم، بلطف، وكأنها تفهم. "أو في المكان الذي تبحثين عنه." قالت بصوت خافت، وكأنها تهمس لنفسها: "أنا لا أعرف ماذا أبحث عنه." نظر إليها من بعيد، وكأنه ينتظر منها أن تقول شيئًا أكثر. لم تكن تعرف أن كلماتها كانت تصل إليه مثل نسمات تمر عبر نافذة مغلقة. "ربما لا تحتاجين إلى معرفة ما تبحثين عنه. ربما ما تبحثين عنه هو الذي يبحث عنك." لم ترد، لكن وجهها تحول إلى لون الهواء المظلم الذي يلف الغرفة. "ربما هو هناك، خلف النافذة." نظرت إليه، وفجأة، شعرت بأنها تكتشف شيئًا في عينيه، كأنما ينظر إلى ما وراء النافذة معها. "ربما لا تحتاجين إلى فتحها. ربما تفتحها بالعين." لم تكن تعلم أن كل حديثه كان كأنه يُمسك بخيطٍ خفيف يمر من بين أصابعها، يجرها نحو شيء لم يُذكره أحد. شعرت بثقل كلامه، كأنه يحمل معنىً مكتومًا، ينتظر أن يُفهم. "ربما لا تعلمين أنك تبحثين عن نفسك، لا عن شخص آخر." ترددت بصوت خفيف، كأنها تتحدث لذاتها. لم يتحرك، لكن عيناه تعلقتا بها بشدة، كأنما ينتظر إجابة لا تُقال. "ربما ما تبحثين عنه لا ينتظرك، بل ينتظرك في كل مرة تغلقي فيها النافذة." نظرت إلى النافذة مجدداً، فجأة شعرت بأنها ليست مغلقة، بل مفتوحة في عالمٍ آخر. نظرت إلى النافذة مجدداً، فجأة شعرت بأنها ليست مغلقة، بل مفتوحة في عالمٍ آخر. لم تكن هناك رياح، لكنها شعرت بحركة الهواء تمر عبر جسدها، كأنما تُسحّق بقوة لا تُدرك. "هل تعلمين أن النافذة ترى أكثر مما تراها؟" قال بصوت خافت، وكأنه يحاول إقناع نفسه أكثر منّا. شعرت بقشعريرة، لم تكن مخيفة، بل كأنها تُذكّرها بشيء فقدته. تراجعت خطوة، لكن نظرته لم تفارق عينيه. "أحيانًا، ما يخفيه العالم هو ما يبحث عنه الإنسان." توقفت، لم تكن تعرف إن كان يتحدث عن النافذة، أم عن نفسها. أطلقت نظرات تردّد حول الغرفة، كانت كل زاوية تُلمّح إلى شيء غامض، كأنما تخبئ سرًا. لم تكن تعلم إن كان يراقبها، أم أنها تراقب نفسها من خلال عينيه. "لا تخف،" قال بصوت منخفض، "النافذة ترى كل ما يمر، لكنها لا تخبره." توقفت عن المشي، وبدأت أستمع لصوت الرياح التي لم تكن هناك من قبل. "أحيانًا،" تابع، "نبحث عن الإجابة في مكان لا نريد أن نجد فيها." شعرت بصداع، لم تكن حقيقية، بل كأنها تُذكّرها بوقت لم تكن تزال تخبئه. لم تكن تعرف إن كان يتحدث عن النافذة، أو عن ذاتها التي تختفي وراء الظلال. كان يمشي ببطء، كأنه يتجنب خطواته، بينما كانت تراقبه من وراء الظلال. "لا تخف،" قال مرة أخرى، "النافذة ترى كل ما يمر، لكنها لا تخبره." شعرت بصداع، لم تكن حقيقية، بل كأنها تذكّرها بوقت لم تكن تزال تخبئه. لم تكن تعرف إن كان يتحدث عن النافذة، أو عن ذاتها التي تختفي وراء الظلال. "أحيانًا،" قال، "نبحث عن الإجابة في مكان لا نريد أن نجد فيها." توقفت، وبدأت أستمع لصوت الرياح التي لم تكن هناك من قبل. "أنا هنا،" قال بخفة، "لكنني لا أستطيع أن أكون لك." نظرت إليه، لكنها لم ترى سوى الظلام الذي يخفيه. "إذا أردت أن تعرف الحقيقة،" قال، "قد لا تكون حقيقية." تذرت ببطء، فجأة شعرت بأن النافذة قد ابتسمت لها. لم تكن متأكدَة من سبب ذلك، لكنها أدركت أن هناك شيءًا ما تغير. "لا تبحثي عن الحقيقة في الظلام،" قال، "الحقيقة تأتي عندما تبدأين بالسؤال." توقفت عن الاستماع للرياح، وبدأت أستمع لنفسها. "أنا لا أريد أن أعرف،" قالت ببطء. "أنا لا أريد أن أعرف." نظر إليّ، وابتسم. لم يكن ابتسامه مخيفًا، بل أشبه بتحية من الماضي. "فكل من يبحث عن الحقيقة،" قال، "يجد أخيرًا أن الحقيقة كانت معه منذ البداية." ثم اختفى، كما ظهر. نافذة المدينة تذكّرني بوقت لم أعد أعرفه. بدأت أعود إلى نافذة المدينة كل مساء، وأستمع لصوت الرياح التي كانت تُذكّرني بقصة لم أعد أتذكرها. ذات ليلة، بينما كنت أرسم في دفتر اليوميات، ظهر فجأة بجوار النافذة. "أنت لم تفهمي ما قلت لك." قال بصوت هادئ. "الحقيقة ليست في الظلام، بل في المعرفة التي تبدأ بالسؤال." نظرت إليه بحيرة، ثم تعلقت بعينيه. "ماذا تريدين مني؟" سألت. ابتسم مجددًا، "أريدك أن تبحثي، حتى تكتشفي أن الحقيقة كانت معك منذ أن فتحت نافذتك لأول مرة." ثم اختفى، وأصبحت النافذة تذكّرني بأن الحقيقة لم تختفِ، بل كانت معني منذ البداية. واصلت رسم اليوميات، لكن النافذة كانت تؤثر في تفكيري. كل ليلة، ظهرت لي ذات الوجه الهادئ، وتركت رسالة صغيرة منتظمة. "البحث ليس في الجواب، بل في السؤال." كانت كلماته تراودني حتى نومي. ذات ليلة، فتحت النافذة بجرأة، وبدأت أطرح أسئلة على الظلام. توقفت أقدامي فجأة، فوجدت نافذة مفتوحة أمامي، وداخلها نور بارد. دخلت، ووجدت مكتبة قديمة، وكتاب مغلق بعنوان "الحقيقة التي تبدأ بالسؤال". فتحته، ووجدت نفسي أقرأ كلماتي التي كتبتها ذات يوم. أدركت أن الحقيقة لم تختفِ، بل كنت أبحث عنها منذ البداية.

التعليقات والمفضلة

سجّل دخولك للتعليق والحفظ

لا توجد تعليقات منشورة بعد.