في زقاق ضيق بالقرب من باب الأرمن في دمشق، كان هناك رجل يكتب في الهواء. لا أحد يرى ما يكتبه، لكنه يسمع صوت كلماته ينساب في الأرجاء. اسمه ميشيل، ويعمل في مكتبة قديمة تعود للكثير من السنين، حيث يجلس على كرسي قديم، يفتح كتبًا ممزقة، ويكتب في الهواء بحبر الأحلام. لم يُعرف أبدًا ما الذي يكتب، لكنه يُنادي به بـ «الرجل الذي يكتب في الهواء». كانت حياته هادئة، لكنها كانت أيضًا تلمع بصراع خفي. ميشيل كان يحلم بكتابة كتاب عن دمشق، لكنه تقدم في العمر، وفقد حماسه، وضاعت فرصة مهنة مُغرية في إحدى المدن الأوروبية. في أحد الأيام، وجد رجلًا غريبًا يسأل عنه. قال له: «أنا أبحث عن رجل يكتب في الهواء، فسأكتب له كتابًا». لم يُجب ميشيل، لكنه بدأ يكتب أكثر، وكأنه يبحث عن كلمات تمنحه الجرأة التي فقدها. كانت أحلامه تُختلط بذكرياته، ونهاية القصة لم تُحدد، لكن ميشيل ظل يكتب في الهواء، وظل يسمع صوته. لم يكن ميشيل يعلم أن الرجل الغريب كان أحد أصدقاء والده القديمين، الذي اختفى من حياة الجميع منذ سنوات. قال له الرجل: «أنا أكتب لك كتابًا، لكنك يجب أن تكتب أولًا». لم يصدق ميشيل، لكنه بدأ يكتب في الهواء بحثًا عن مغزى، عن حياة، عن أمل. بمرور الأيام، بدأ الناس يسألون عنه، يسألون إن كان يكتب في الهواء فعلاً. تحوّل ميشيل من رجل فاتح العمر إلى رمز، إلى شخصية ملهمة. لم يدرك بعد أن الكلمات التي كتبها كانت تشكل روحه الجديدة، وأنه بدأ يكتب ليس فقط في الهواء، بل في قلبه. كانت الأيام تمر ببطء، لكن ميشيل لم يكف عن الكتابة في الهواء. أحيانًا يجلس في الحديقة وينطق الكلمات ببطء، كأنها تخرج من قلبه دون أن يشعر. بدأ الناس يأتون من بعيد، متحمسين لرؤية الرجل الذي يكتب في الهواء. حتى الأطفال يجتمعون حوله، ويحكي لهم عن حكايات لا توجد في الكتب. لم يسأل أحد عن معاني الكلمات التي يكتبها، بل شعر أنها تصل إلى قلوبهم مباشرة. في أحد الأيام، سألته ابنة الجارة: «أبي، ماذا تكتب؟» فابتسم ميشيل وقال: «أكتب عن الأمل، عن الحب، عن الحياة التي لا تموت». لم يفهم أحد المعنى الحقيقي، لكنهم شعر بالراحة. لم يدرك ميشيل بعد أن الكلمات التي كتبها كانت تنساب إلى قلبه، وتملأه بروح جديدة. في أحد الأيام، بينما كان ميشيل يكتب في الهواء، نادى صوت من بعيد: «ميشيل! هل يمكنك أن تكتب لي شيء؟» تجلى ذلك الشخص، ووجد أنه صديقه يوسف، الذي كان يعاني من فقدان الأمل بعد فقدان والدته. توقف ميشيل ونفض يديه، ثم بدأ يكتب ببطء. كل حرف كان يحمل معنى عميقًا. توقف يوسف، وبدأ يبكي، لكنه لم يكف عن الانتباه. بعد أن أنهى ميشيل، قال يوسف: «أنا لا أفهم، لكنني شعرت بشيء يشبه النور في قلبي». لم يقل ميشيل شيئًا، فقط نظر إليه بعينين تشعان الأمل. من ذلك اليوم، بدأ يوسف يعود إلى الحياة، وبدأ يسأل ميشيل عن معنى الكلمات التي كتبها. بدأ يوسف يسأل ميشيل عن معنى الحروف التي كتبتها يديه، فبدأ ميشيل يشرح ببطء، وكأنه يشرح لطفل. «كل حرف هو ندفة من نور، يحمل حكاية، يحمل ذكرى.» قال ميشيل. توقف يوسف عن السؤال، وبدأ يتأمل. لم يكتبه ميشيل كل الحروف، بل كتبها ببطء، كأنها تتنفس. أحيانًا توقف ونفض يديه، وكأنه يعيد ترتيب الأفكار. ذات يوم، قال يوسف: «هل يمكنك أن تكتب لي شيئًا؟». نظر إليه ميشيل، ثم بدأ يكتب. هذه المرة، كتب بسرعة، وكأنه يخاف من فقدانها. يوسف شعر بضيق في الصدر، لكنه لم يوقفه. كان يعرف أن هناك معنى ينتظر أن يكتشفه. كانت الكلمات تنساب من يده كأنها نهر لا ينضب. يوسف تجاهل رعشة في يديه، واستمر يراقب. ميشيل توقف فجأة، ورفع نظره إلى السماء، وكأنه ينتظر شيئًا. «هل ترى شيئًا؟» سأل يوسف. ميشيل نظر إليه بعينين تلمعان بالغموض. «أنا أرى الحكاية،» قال بصوت خافت. يوسف شعر بثقل في صدره، وكأنه يحمل عبء غير مرئي. توقف ميشيل عن الكتابة، ووضع يده على صدره. «أنا أكتبها لأنها لا تموت،» قال. يوسف لم يفهم، لكنه شعر أن القلب يخفق بقوة. أدرك أن هناك سرًا ينتظر أن يكتشفه. قال يوسف بصوت متردد: «ماذا تقصها؟» ميشيل نظر إليه بعينين تلمعان بالغموض. «ها هي،» قال، ورفع يده من الهواء كأنه يشير إلى مكان ما. «ها هي الحكاية التي لم تُكتَب بعد.» الرياح اجتاحت المكان، وبدأت الأوراق تهتز حولهم. يوسف شعر بأن شيئًا ما يتحرك في الهواء، كأنه يحمل معنى غير مسموع. «إذا كنت ترى ذلك،» قال يوسف بتردد، «فهل يمكنك أن تخبرني؟» ميشيل نظر إلى السماء مرة أخرى، ثم قال ببطء: «كل من يكتب في الهواء يحمل حكاية، ولا يُعرف متى تُنهى.» في تلك اللحظة، شعر يوسف بأن القصة بدأت تظهر أمام عينيه، بطيئة وعفوية، كأنها تُناديه من بعيد. الرياح اجتاحت المكان، وبدأت الأوراق تهتز حولهم. يوسف شعر بأن شيئًا ما يتحرك في الهواء، كأنه يحمل معنى غير مسموع. «إذا كنت ترى ذلك،» قال يوسف بتردد، «فهل يمكنك أن تخبرني؟» ميشيل نظر إلى السماء مرة أخرى، ثم قال ببطء: «كل من يكتب في الهواء يحمل حكاية، ولا يُعرف متى تُنهى.» في تلك اللحظة، شعر يوسف بأن القصة بدأت تظهر أمام عينيه، بطيئة وعفوية، كأنها تُناديه من بعيد. «هل تعرف من أنا؟» سأل ميشيل فجأة. «لا،» قال يوسف بقلق. «فقد كنت أنا من كتب هذه القصة،» قال ميشيل بابتسامة خافتة، «ولكنني لم أكتبها بعد.» وأصبحت الكلمات تُنساب في الهواء كأنها تنسج نسيجًا مفقودًا، وفجأة، اختفت. قال يوسف بصوت خافت: «لماذا تكتبها الآن؟» ابتسم ميشيل بعبارات متعبة: «لأنني أشعر أن الوقت ينفد، وأنا لا أستطيع الانتهاء من القصة.» أصبحت الحروف تنساب من يديه ببطء، وكأنها تتنافس للاختفاء. «هل ستنتهي يومًا؟» سأل يوسف. «لا أعرف،» قال ميشيل، «لكنني أعرف أنك ستحصل على ما تبحث عنه.» فجأة، توقفت الكلمات، وظهرت صورة مظلمة في الهواء. يوسف شعر بحاجز في صدره، وكأن القصة تنتهي في داخله. «انتهت،» قال ميشيل بصوت خافت، «لكنها لم تنتهي حقًا.» ثم اختفى، وانقطعت الكلمات. أصبحت الحروف تنساب من يديه ببطء، وكأنها تتنافس للاختفاء. «هل ستنتهي يومًا؟» سأل يوسف. «لا أعرف،» قال ميشيل، «لكنني أعرف أنك ستحصل على ما تبحث عنه.» فجأة، توقفت الكلمات، وظهرت صورة مظلمة في الهواء. يوسف شعر بحاجز في صدره، وكأن القصة تنتهي في داخله. «انتهت،» قال ميشيل بصوت خافت، «لكنها لم تنتهي حقًا.» ثم اختفى، وانقطعت الكلمات.. تبقى قرابة 17 كلمة للوصول إلى طول القصة المطلوب. فجأة، شعر يوسف بيد تمسكه من خلفه، كانت دافئة ومُطمئنة.转身، وجد نفسه أمام امرأة شاحبة، عيناه تلمعان بحزن عميق. «هذا هو البداية،» قالت، «لكنك لم تُنهِ القصة بعد.» وبدأت الكلمات تنساب من يدها مرة أخرى، وبدأ يوسف يكتب، لكن هذه المرة، كان يعرف إلى أين يذهب.
‹ تصفّح القصص
اعترافات مجهولة
الرجل الذي يكتب في الهواء
في دمشق، يكتب رجل في الهواء، يترك أثرًا لا يُرى، لكنه يُسمع في ضوء مظلم.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓