في شقة صغيرة بالقرب من بحيرة فيشافور في كيرالا، يجلس أنيس، خريج أديباتي، يقلب كتبًا قديمة بحثًا عن مفتاح لم يُعثر عليه منذ سنوات. لم يكن أنيس يعلم أن القرار الذي اتخذته أمه في حقبة ما، قبل أن يولد، يحكم على حياته اليوم. في ذلك الوقت، اختارت أن تُنفِّذ طلبًا عائليًا غريبًا: أن يبقى ابنها بعيدًا عن كيرالا، وأن يعيش في مومباي، حيث يرى العالم من زاوية مختلفة. لكن الأثر لم يختفِ. كل يوم، بينما يمشي أنيس عبر شوارع مومباي، يشعر بوجود حواجز غير مرئية تفصله عن شيء أو شخص لم يفهمه حتى الآن. ذات ليلة، بينما كان يمشي بجانب نهر ساوند، اقترب منه رجل غامض يُدعى فرحان، مترجم مصري يعيش في كيرالا. بدأ الحوار بشكل عابر، لكن شيئًا ما جعله يسأل: "هل تشعر أحيانًا أنك تعيش في كيرالا، رغم أنك في مومباي؟". لم يُجب أنيس، لكن ذلك الجملة كانت كفيلة بفتح باب لا يُعرف له حافة. مع مرور الأيام، تعمق حديثهما، وبدأ كل منهما يكشف قصته من خلال مواقف صغيرة، أحداث بسيطة، وذكريات تطفو كالرذاذ. فرحان يذكر أن أمه كانت تردد في كل عيد ميلاده: "أنت ستعيش في حلم غير مسمى". بينما أنيس يكتشف أن قرار أمه لم يكن عشوائيًا، بل كان رداً على حلم لم يُسمع به قبلاً. فتحت المفاهيم تدريجيًا، وبدأ كل منهما يسأل نفسه: ما هو الحلم الذي تعيش فيه؟ ومتى بدأ هذا الحلم يشكل حدودًا؟ بدأ الحديث يدور بينهما بخفّة، كأنهما يرسمان حدوداً جديدة للوقت. فرحان قال: "أحيانًا أشعر أنني أعيش في قصه لم أكتبها بعد". أنيس ضحك: "قد تكون هذه هي الحقيقة. أنت تعيش في حلم غير مسمى، لكنك لا تعلمه". فرحان نظر إليه بدهشة: "أين تعرف هذا؟". أنيس تردّد: "أمي قررت أن تضعني في حلم، لكنها لم تخبرني أبدًا. أعتقد أنها كانت تعرف أنني سأكتشفه لاحقًا". فرحان سأل: "وماذا حدث بعد؟". أنيس نظر إلى النافذة: "لم يُذكر لي أحد ذلك. ربما لأن الحلم لم يبدأ بعد". أصبح فرحان ينظر إلى أنيس بنظرة مختلفة، كأنه يرى في عينيه عالمًا غامضًا. "هل تعتقد أنني أعيش في حلم أيضًا؟" سأل بتردد. أنيس نظر إلى السماء، حيث كانت الغيوم تتحرك ببطء غير طبيعي. "ربما. أحيانًا أشعر أنني أراقب كل شيء من خارج الحدود. أحيانًا أنسى حتى ما أحبه." فرحان تردّد: "أنا أنسى الحدود أيضًا. أحيانًا أنسى أنني أعيش في هذا العالم." أنيس نظر إليه بعينين مليئتين باللغز. "ربما نحن نعيش في نفس الحلم. فقط أننا لا نعرف أننا نحلم." أنيس نظر إلى فرحان بدهشة، وكأنه يحاول فهم ما يقال. "لكن لماذا ننسى الحدود؟" سأل بصوت خافت. فرحان تردّد بغموض: "أحيانًا أشعر أنني أتنقل بين عوالم مختلفة. أحيانًا أرى نفسي في أماكن لا أعرفها. أحيانًا أنسى حتى اسمي." أنيس ابتسم بغموض. "ربما لأننا نعيش في عالم غير محدد. عالم لا يملك حدودًا. أحيانًا أتساءل: هل نحن أشخاص، أم مجرد أحلام؟" فرحان نظر إلى الأفق حيث كانت الشمس تغيب ببطء غير معتاد. "أنا أؤمن أننا في حلم. لكنني لا أعرف ماذا سيحدث عندما يستيقظ الحالم." أنيس نظر إليه بعينين تلمعان بالغموض. "ربما لا نريد أن نستيقظ." أضاف فرحان بصوت خافت: "لقد شهدتُ أشياء لا تُصدق. كانت هناك مدن تُبنى من صوت، وشواطئ تُصنع من الأحلام. حتى أشجارٌ تنمو من الذكريات." أنيس ابتسم وهو يضع يده على كتفه. "هل تعتقد أننا نعيش في حلم واحد، أم أن كل شخص يعيش في حلمه الخاص؟" فرحان تردّد: "لا أعرف. أحيانًا أشعر بأنني أتنقل بين الأحلام. أحيانًا أنسى حتى لماذا أكون هنا." أنيس نظر إليه بعينين تلمعان بالغموض. "ربما لأننا لا نريد أن نتذكر." توقفت الشمس عن الغروب فجأة. تجمد الجميع. في الهواء ارتفع صوتٌ غامض، كأنه نداء من مكان بعيد. الصوت ارتفع أكثر، وكأنه يلمع في الهواء كنجمة متوهجة. فرحان نظر إلى الأنيس، الذي ظلّ ينظر إلى الأفق كأنه ينتظر شيئًا. "هل تسمع ذلك؟" سأل فرحان. أنيس نظر إليه بعينين تلمعان مثلما لو كان يرى خلف الظلام. "أسمع." قال بصوت خافت. "هل تعلم ماذا يعني؟" فرحان تردّد: "لا أعرف. لكنني أشعر وكأنني أسمعه لأول مرة في حياتي." توقف الصوت فجأة، وكأنه انسحب إلى عالمه الخاص. تجمد الجميع مرة أخرى. فرحان شعر بصداع غامض يهدد بالاستيقاظ من الحلم. استدار فرحان ببطء، وكأنه ينتظر أن يُظهر الصوت مظهره. "قد يكون شيئًا من الماضي." قال بصوت خافت. أنيس نظر إلى الأفق، ثم إلى فرحان، وكأنه يحاول تجميع الأفكار التي تطفو في ذهنه. "ربما... لا أتذكر أي شيء." توقفت إشراقة عينيه، وانحنت ظلاله. فرحان اقترب منه، وكأنه يبحث عن إجابة في عينيه. "هل تعرف من أين يأتي الصوت؟" سأل بصوت مكسور. أنيس نظر إلى السماء، حيث كانت النجوم تلمع كأنها تبحث عن شيئٍ ما. "أعرف." قال بصوت شبحي. "لكنني لا أستطيع أن أخبرك به." ابتسم فرحان بحزن، ثم تقدم خطوة أخرى نحو أنيس. "لماذا تكرهين أن تقولين ذلك؟" سأل بصوت خافت، وكأنه يخاف أن يُسمع. أنيس نظر إليه بعينين خاليتين، كأنما يحاول فهم ما يدور في رأسه. "لا أكرهه." أجابت بتردد. "لكنني لا أعرف كيف أشرح ذلك." توقفت عن الحركة، وانحنت أكثر، كأنها تبحث عن معنى في الهواء. فرحان نظر إلى السماء مجددًا، ثم أخذ أنفاسه ببطء. "ربما..." قال بصوت ضعيف. "ربما الحدود لم تكن حقيقية أبدًا." أنيس نظر إليه بعينين تملؤها الغموض، وكأنها تنتظر كلمات لا تزال غير مكتوبة. أنيس نظر إليه بعينين تملؤها الغموض، وكأنها تنتظر كلمات لا تزال غير مكتوبة. فرحان نظر إلى الأرض، وكأنه يبحث عن إجابة في التربة نفسها. "الحدود..." قال بصوت خافت، "هي مجرد خطوط ترسمها البشرية لتبقى مطمئنة." أنيس شعرت بصدمة خفيفة، وكأنها تلمس حقيقة لم تكن تعرفها. "لكننا ننسى أننا جزء من شيء أكبر." قال فرحان. توقفت عن التفكير، وبدأت تنظر إلى الأفق. "ربما... لا نحتاج إلى الحدود." أنيس نظرت إليه، وشعرت بانفتاح في صدرها. لم تكن تعرف ماذا تقول، لكنها شعرت بأنها تبدأ فعلاً فهمه. بعد لحظة صمت، استدار فرحان نحو الأفق، وكأنه يحاول رؤية ما يخفى خلف الخطوط. "الحدود تفصل بيننا، لكنها لا تفصل بيننا وبين ما نبحث عنه." أنيس استدارت ببطء، تنظر إليه بعينين مليئتين بالأسئلة. "أنا... لم أشعر بحاجة لها منذ زمن." توقفت عن التنفس قليلاً، وكأنها تختبر حديثه. فرحان ابتسم، بذكاء، وكأنه يفهم ما تشعر به. "ربما لأنك لم تُنسَها، بل تعرف أنك تملك قوة تُحذّر منها." تنهد أنيس، وشعرت بأنها تبدأ بالانفتاح حقاً، وأن الحدود التي كانت تفصلها عن العالم قد بدأت تذوب.
‹ تصفّح القصص
اعترافات مجهولة
الرجل الذي ينسى الحدود
بين شقق مومباي المزدحمة وشوارع كيرالا الخضراء، يكتشف رجل يعيش في حلم آخر أن قراره القديم لا يزال يرسم الحدود التي لا يرى.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓