في رحلة قطار من غزة إلى القاهرة، وجد رجل لا ينام يجلس بجانب صديقه المقرب، ويحدثه عن الماضي، بينما تبدأ الأحداث الغامضة تدور حوله. رجل اسمه علاء، عمره أربعين عامًا، يعمل في تصميم الألعاب الإلكترونية، ويشعر منذ سنوات بخيبة أمل في حياته المهنية والشخصية. في هذه الرحلة، لمحه صديقه فارس، الذي يُعرف بحبه للسفر والثقافة، لم ينام رغم أن الرحلة استمرت أكثر من ثلاث ساعات. بدأ فارس يسأل علاء عن أسباب عدم نومه، فأخبره أن ينام فقط في لحظات تُذكّره بذكريات وفاة والدته، التي توفيّت قبل سنوات دون أن يفهم السبب الحقيقي. في اللحظة التي بدأت فيها عقارب الساعة تشير نحو منتصف الليل، توقف القطار فجأة، وبدأ علاء يشعر بوجود حركة غريبة من داخل القطار. فارس لم يُسمع بأي صوت، لكن علاء شعر بأن شيئًا ما يحدث في المكان، حتى أن نور القطار بدأ يختفي ببطء، وظهرت أشكال لا تُدرك بوضوح. فارس سأل علاء: "هل تشعر بوجود شيء ما؟" فرد علاء بابتسامة غامضة: "أنا أشعر بأنني أكون في مكان آخر، مكان لا يُعرف من أين يأتيه أحد." أصبحت الأضواء في القطار تختفي تدريجيًا، كأنها تُطفئ واحدة تلو الأخرى، وكأن الظلام يُغطي كل شيء ببطء مريب. علاء نظر إلى فارس، الذي كان يحمل في يده إضاءة صغيرة، وبدأ يُضيء المكان بضعًا من الحواف. "هل تعلم أن هذا القطار لم يُسجل في أي خريطة؟" سأل فارس بصوت خافت. رد علاء بنبرة غامضة: "ربما هذا هو السبب الذي جعلني أشعر بالوجود غير المعروف." فجأة، صوت معدني قصير سمع من الجهة الأخرى من القطار، كأنه صوت مفتاح يُفتح بابًا. فارس نظر إلى علاء، وعيناه تلمعان بخيبة أمل، بينما ابتسم علاء، وكأنه يعرف شيئًا لا يعلمه أحد. الباب الذي صوت المفتاح فتحه فارس ببطء، وظهر بداخله نور أزرق فاتح يُضيء القسم المظلم. "هذا ليس مقصورًا عاديًا،" قال علاء بصوت منخفض، "هذا مختبر." فارس ابتسم وهو ينظر إلى الجدران التي تبدو وكأنها تُشكل أشكالًا غامضة عند الضوء. "لماذا نحن هنا؟" سأل فارس. "لأننا نحتاج إلى معرفة الأشياء التي لا تُعرف،" رد علاء، "وأن نرى ما لا يُرى." فجأة، صوت ميكانيكي خفيف سمع من الخلف، وكأن شيئًا ما يتحرك. فارس تجمّد، بينما توتر علاء قليلاً، وكأنه يعلم أن الباب الذي فتحه لم يكن آخر الأبواب في هذا القطار الغامض. أصبح الصوت أكثر وضوحًا، وكأن شيئًا ما يتحرك ببطء خلف الباب المفتوح. فارس ابتسم وهو ينظر إلى علاء، وكأنه يحاول أن يخفف من التوتر. "ربما لا توجد أي خطر،" قال بابتسامة خافتة. "ربما فقط... أحد يفحصنا." لكن علاء لم يرد. بدلًا من ذلك، تقدم خطوة إلى الأمام، وبدأ في ملاحظة التفاصيل الصغيرة حوله. الجدران كانت تشبه صورًا تُعيد تشكيل نفسها، والضوء ينعكس بشكل غريب. فجأة، صوت معدني خفيف سمع من الجانب الأيمن، وكأن شيئًا ما يتحرك. فارس توقف، وكأنه ينتظر ما سيحدث. استمر فارس في محاولة إلهام علاء، لكنه شعر بالقلق يزداد. "ربما نحن في مكان غريب،" قال بصوت منخفض، "لكن لا نعرف ما الذي نفعله." علاء لم يستجب، فقد انسحب إلى زاوية القطار، وبدأ في مراقبة كل شيء من جديد. فجأة، سمع صوت طقطقة خفيفة من الداخل، كأن شيئًا ما يتحرك في الحقيبة التي كان يحملها. فارس تحرّك بسرعة، لكن علاء لمس يده. "لا تتحرك،" قال بصوت مكسور. "الصوت من هنا." نظر فارس نحو الحقيبة، وبدأ يشعر بأن شيئًا ما يتنفس من داخلها. أصبحت الدقيقة تُعاني من شعور غريب، وكأن الزمن قد توقف. فارس راقع على كissenه، يراقب علاء الذي لا يزال مستيقظًا كأنه ينتظر شيئًا. "هل تشعر بذلك؟" سأل بصوت خافت. علاء نظر إليه بعينين سوداءتين، لم تكن متعبتين، بل مُستعجِلتين. "أنا أشعر،" قال، "لكن لا أعرف ماذا نفعل." فارس نظر إلى الحقيبة، التي كانت تتنفس بهدوء. "هل تعتقد أنها حية؟" "أو ربما... تتحرك بطرق لا نفهمها." توقفت نسمات الهواء فجأة، وكأن القطار نفسه يتنفس ببطء. "لا نملك وقتًا للخوف،" قال علاء، "النقطة هنا أننا نعيش في لحظة لا نعرف ماذا يأتي بعد." نظر فارس إلى النافذة حيث كان القطار يمر ببطء عبر جبل مغطى بالغيوم، وكأنه يتنفس معه. "هل تعتقد أن الحقيبة تعرف طريقها؟" سأل بصوت خافت. علاء لم يستطع الإجابة، فكانت أفكاه تدور حول شيء لم يُذكره أحد قبله. "ربما نحن لا نبحث عن شيء، بل ننتظر أن يبحث عنّا." فجأة، صوت معدني طغى على همساتهما، وكأنه يُذكّرهما بوجود شيء خارج نطاق الوعي. "انظر!" قال فارس مُشيرًا إلى النافذة. كانت الحقيبة تهتز، وكأنها تنتظر لحظة معينة. انفجر صوت صفارة إنذار قوي، يرتج في الأرجاء كأنه يُريد أن يُذكّرهم بوجود ما خلفهم. علاء نظر إلى الحقيبة التي كانت تهتز ببطء، وكأنها تتنفس معهم. "ربما هي تعرف الطريق،" قال بصوت خافت، "أو ربما هي تبحث عن شيء." فارس نظر إليه بعينين تُلمّعان بالحيرة. "أو ربما لا نبحث عن شيء، بل نحمله." توقف القطار فجأة، وكأنه استمع لصوت من داخله. تفتحت الأبواب، واندلع ضوء بارد من خارج. الجميع تجمّع حولها، يبحثون عن شيء لم يُذكره أحد. اندفعت رائحة باردة مع الضوء، وانحنت الأقدام بعضها على بعض. اقترب فارس من الحقيبة، وأخذ ينظر إليها بعينين تلمعان بغموض. "ربما هي لا تحمل شيئًا، بل تحملنا." علاء ابتسم مكتئبًا، "لا توجد حقيبة بدون سبب." لم يرد أحد. شعر فارس بأن القطار يتنفس معهم، وكأنه يتنفس مع الحقيبة. تذوب الأصوات، وتختفي الوجوه. كان يسمع صوتًا خفيفًا يخرج من الحقيبة، كأنها تهمس له. "ماذا تقول لي؟" سأله بصوت منخفض. لم يُجبه أحد. تقدمت خطواتهم ببطء نحو الباب، وكأنهم يحملون عبء لا يُعلم به أحد. القطار توقف فجأة، والضوء الذي دخل من النوافذ تغير لونه، كأنه أصبح أزرقًا مظلمًا. فارس شعر بأن الحقيبة ترتجي في يده، وكأنها تنتظر من يفتحها. "من يفتح الحقيبة؟" سأل بصوت صغير. لم يرد أحد. تقدمت علاء خطوة، ونقر على مقبض الحقيبة بيد مخالفة، فانفتحت فجأة، وانطلق منها رائحة قديمة ورطبة، وكأنها تأتي من مكان لا يُذكر. "ربما لا تملك شيئًا، لكنها تعرف ما نحتاجه." قال فارس بصوت متقلب. لم يرد أحد، لكن الأصوات توقفت، وكأن القطار كأنه يتنفس معهم الآن. واصل فارس التحرك ببطء داخل القطار، والجميع يراقبه كأنه يحمل سرًا لا يمكن فكّه. "لقد جئتُ لأبحث عن ذكريات،" قال بصوت متعب، "لم تعد تعلمني كيف أنسى." لم يرد أحد، لكن هناك شيء في هدوءهم يذكره بوقت كان يعيش في واقع مختلف. فجأة، ارتجت القاطرة، وصوت معدن يرتجي في الأعماق. "هذا ليس قطارًا،" قال صوت من بعيد، "هذا هو الوجه الآخر للوقت." توقف الجميع، وانفتحت الستائر ببطء كأنها ترحب به. "هذا هو المكان الذي ننتظر فيه الحقيقة." في تلك اللحظة، تقدم رجل شاحب يحمل حقيبة قديمة نحو الستائر المفتوحة. "أنا أيضًا من فقدت القدرة على النسيان،" قال بصوت خافت، "لكنني لم أفقد القدرة على التذكر." تجمّد الجميع، وانتظر الجميع رد فعله. لم يتحرك أحد، إلا أن الرجل تابع: "لقد جئتُ لأستعيد ما فقدته، وليس لأفقده مجددًا." في تلك اللحظة، بدأت الأضواء تتألق، وكأنها تُعلّق على واقعه. "هذا المكان ليس مجرد محطة،" أضاف بصوت متقلب، "هذا هو المكان الذي يُعيد الذاكرة إلى من فقدتها." توقف القطار، والجميع أصبحوا جزءًا من قصة لم تُروى من قبل. أطلقت الأضواء تألقها كأنها تتناغم مع صوت الرجل، وبدأ المكان يتحول من محطة عادية إلى شيء آخر. تدريجيًا، تبدّدت الحوائط، واندفعت الأرواح من بينها، واندفعت معها الذكريات. بدت الأضواء كأنها تشكل صورًا، وصوت الرجل كأنه يشرح ذلك. "كل من يمر هنا،" قال بصوت مُعتدل، "يأتي بذكرياته، ويغادر بذاكرته." رفع أحد الركاب يده، وبدأ يبكي، وبدأ يروي قصة فقدانه. توقفت الأضواء، وبدأت تظهر صور من ذاكرة ذلك الراكب. تمايل القطار، وكأنه يتناغم مع القصة، وكأنه ينتظر أن يُعاد بناءً من ذكريات الناس. استمر القطار في تقدمه، وظل صوت الرجل يرافقه كأنه يشرح كل شيء. فجأة، توقف أحد الركاب، وبدأ ينظر إلى النافذة بعينين مُحْزَنَتين. "أنا لم أستطع النوم منذ سنوات،" قال بصوت خافت. "أنا أنتظر شخصًا لم يعد يعود." ابتسم الرجل بصوت مُعتدل. "الذكريات تعود بسهولة، لكن الأشخاص... هم أصعب." نظر الراكب إلى الأضواء المتلألئة، وكأنها تُذكّره بشيء ما. "في بعض الأحيان،" قال الرجل، "الذكريات تُعيد بناء الماضي، حتى لو لم يعد هناك أحد ليعيشه." تمايل القطار من جديد، وكأنه ينتظر أن يُسمع قصة جديدة. الراكب الجالس بجواره نظر إليه بفضول خفي. "إذن، ما الذي تنتظره بالضبط؟" سأل بصوت هادئ. الرجل نظر إلى الأرض خارج النافذة، وكأنه يبحث عن إجابة في خطوطها المتعرجة. "أنتظر شخصًا لم يعد في هذه المدينة،" قال. "كان يمر هنا كل يوم، في نفس الوقت، يجلس في المقعد نفسه، ويُلقي نظرة على المدينة كأنه ينوي أن يعود." الراكب تفاجأ بقصته. "لماذا لم يعد؟" "لأنه لم يعود يومًا." قال الرجل بابتسامة غامضة. "أنا أنتظره، حتى لو لم أكن أعرف لماذا." الراكب الذي جلس بجانبه لاحظ التغير في نبرة صوته، فسأله بصوت خفيف: "هل تعتقد أنه سيأتي يومًا؟" الرجل ابتسم مجددًا، لكن ابتسامته لم تكن مليئة بالثقة. "لا أعرف،" قال، "أحيانًا أشعر أنني أنتظر شخصًا أعرفه، وأحيانًا أشعر أنني أنتظر شخصًا لا أعرفه أبدًا." توقف القطار قليلاً، فانعكست أضواء المدينة على زجاج النافذة، وبدأت ترسم ظلالاً تشبه الوجوه. "هل تعتقد أن الانتظار يُغير شيئًا؟" سأل الراكب بصوت منخفض. الرجل نظر إلى الأفق، ثم قال: "ربما لا، لكنه يمنحني سببًا لأعيش." الراكب نظر إليه بعينين مليئتين بالفضول، "ربما لا، لكنه يمنحني سببًا لأعيش"، تكرر كلمته بصوت خافت، وكأنها تبحث عن معنى خفي. الرجل شد جاكيتته بيد واحدة، "أحيانًا أشعر أنني أنتظر شيئًا لم أعد أتذكره، أحيانًا أشعر أنني أنتظر أن أنسى كل شيء." نقرت عجلة القطار بضع مرات، وبدأت ركوبته بالتنقيط. "هل تعتقد أن الانتظار يمكن أن يصبح جزءًا من حياتك؟" سأل الراكب. الرجل نظر إلى النافذة، حيث تلألأ النور بجواره، "لا أعرف، لكنني أشعر أنني لا أستطيع أن أتوقف عن الانتظار." واصل القطار رحلته، مُغَادِرًا المحطة ببطء، بينما ابتعدت أضواء المدينة خلفه. الرجل تجول في قاعته بعينين متعبتين، وكأنه يبحث عن شيء في الأماكن التي لا تُرى. الراكب الذي جلس بجواره لم يتحدث منذ اللحظة التي بدأ فيها القطار يتحرك. فقط راقصته في الهواء، وكأنه يحاول إخراج أشياء من ذهنه. "هل تعتقد أن الانتظار يمكن أن يصبح جزءًا من حياتك؟" سألته مرة أخرى، وكأنه يبحث عن إجابة تُخفي معنى خفي. الرجل نظر إليه بعينين لا تُعبّر عن شيء، "لا أعرف، لكنني أشعر أنني لا أستطيع أن أتوقف عن الانتظار." لم يرد الراكب بشيء سوى لف الورقة التي كان يحملها في يده ببطء، وكأنها كانت تُحمل أسرارًا لا تُقال. "أنا أنتظر شيئًا لم أُخبر أحدًا به"، قال بصوت خافت، وكأنه يتحدث لذاته أكثر من للكاتب. الرجل الذي لم ينام نظر إليه من جديد، لكن عينيه لم تُظهر أي تغيير. "هل تعتقد أن الانتظار يمكن أن يصبح مرضًا؟" سألته مجددًا، وكأنه يحاول إثبات أن هناك من يفهمه. الرجل تفوه بضع كلمات غير واضحة، وكأنه يخفي شيئًا في صوته، "أنا أنتظر رجوعه... لكن لا أعرف متى." نظر إلى نافذة القطار، حيث كانت الأشجار تمر ببطء كأنها تهمس له أسرارًا لا يفهمها. الرجل الذي لم ينام نظر إلى ملصق الحجز على جانبه، وكأنه يبحث عن شيء مفقود في الأرقام. "لقد ذهب من قبل... من قبل... لكنه لم يعد يعود"، قال بصوت عالٍ قليلاً، وكأنه يحاول أن يُذكر نفسه بذكريات مجهولة. الرجل الذي لم ينام نظر إليه من جديد، لكن وجهه بدا أكثر حزنًا من قبل. "أنا لا أتذكر متى غاب... فقط أنني لا أستطيع أن أنسى أنني أنتظر." شعرت كأنها تُعيد تجميع قطع لغز لا تعرف قطعه. "هل تعتقد أن الحنين يمكن أن يصبح سببًا للاستيقاظ؟" سألته بصوت خافت، وكأنها تأمل أن يسمعها. كان القطار يمر ببطء عبر السهول، والرجل الذي لم ينام يجلس بجانب النافذة، يراقب الظلام يغطي الأفق. "هل تعتقد أن الحنين يمكن أن يصبح سببًا للاستيقاظ؟" سألته بصوت خافت، وكأنها تأمل أن يسمعها. لكنه لم يرد. فقط نظر إلى النافذة، كأنه يبحث عن شيء ما في الأفق. "لقد ذهب من قبل... من قبل... لكنه لم يعد يعود"، قال بصوت عالٍ قليلاً، وكأنه يحاول أن يُذكر نفسه بذكريات مجهولة. الرجل الذي لم ينام نظر إليه من جديد، لكن وجهه بدا أكثر حزنًا من قبل. "أنا لا أتذكر متى غاب... فقط أنني لا أستطيع أن أنسى أنني أنتظر." شعرت كأنها تُعيد تجميع قطع لغز لا تعرف قطعه. "هل تعتقد أن الحنين يمكن أن يصبح سببًا للاستيقاظ؟" سألته بصوت خافت، وكأنها تأمل أن يسمعها. واصلت القطار تقدمه بخطوات ثابتة، كأنه يحمل أسرارًا لا تُقال. الرياح تمرّ بهدوء، وضوء القمر يُضيء النافذة ببريق غامض. الرجل الذي لم ينام لم يتحرك، لكن عينيه كانت تنظر إلى الأفق كأنها تبحث عن شيء تفقده منذ زمن. "لقد تعلمت أن أنتظر،" قال بصوت هادئ، "لكنني لا أعرف ماذا أنتظر. هل هو عودة، أم مجرد ذكرى؟" نظرت إليه من جديد، وشعرت بخفّة في الصدر، كأنه يفتح بابًا لم يُفتح من قبل. "هل تعتقد أن الانتظار يُشبه النوم؟" سألته، وها هي تتساءل إن كان يعلم أن كلماته تُعيد تجميع أجزاء من حلمها الذي تنساه كل صباح. القطار تجاوز محطة بعد أخرى، وظلّ الرجل المُعَلّق في المقعد ينظر إلى الأفق بنفس الطريقة، كأنه يحاول قراءة ما لا يُقرأ. "لا،" أجاب بصوت خافت، "الانتظار لا يشبه النوم. النوم يُخفي، بينما الانتظار يُظهر. أحيانًا أشعر أنني أنتظر شيئًا لم يُفقد، بل لم يُعطَ." شعرت بامتنان غريب، وكأنه يحمل معه قطعة من حكاية لم تُنهَ. "فهل تعرف ما الذي تنتظره؟" سألته، وتفكرت إن كان يعرف ذلك حتى هو. نظرت إليه، وشعرت أن عينيه تُلمّع كأنها تخبئ شيئًا لم يُكتشف بعد. استمرّت الرحلة، والوقت يمرّ كأنه يمشي على قدمين. كانت الأماكن تُغير ألوانها، والسماء تُغير أشكالها، لكنه ظلّ جالسًا في مقعده، كأنه لم يتحرك منذ بدء الرحلة. أخيرًا، سألته: "هل تعتقد أن الوقت يسير ببطء هنا؟" نظر إليّ بعينين تملّكان شغفًا قديمًا. "لا،" قال بابتسامة خفيفة، "الوقت لا يسير ببطء. هو ينتظرنا. أحيانًا أشعر أننا ننتظره، وليس العكس." شعرت بانزياح في فهمي، وكأنني اقتربت من حقيقة لم أكن أعرفها. "فماذا تنتظر من الوقت؟" "أنا أنتظر أن يكشف لي ما تبقى من حكاية." استمرّت الرحلة، والقطار يمر بخيوط من الضوء عبر النوافذ. لم يتحرك الرجل، لكن شكل ظلّه تغيّر ببطء، وكأنه يتناغم مع حركة الزمن. سألته: "ماذا تقصده بـ'ما تبقى من حكاية'؟" نظر إلى النافذة، ثم إلى محيطه المحيط بالصمت. "كل شيء يحمل حكاية،" قال بصوت هادئ، "لكن البعض لا يخبرنا بها. أنا أبحث عن الحكاية التي لم تُقال بعد." شعرت بالفضول، وكأن هناك شيء ما في كلماته يحمل مفتاحًا. "فما الذي تبحث عنه بالضبط؟" توقف، ثم أجاب: "القصة التي أستطيع أن أُخبرها بها، وأنا لا أعرف ما هي بعد." استمر القطار في تقدمه، مُغَمّرًا بضوء الشمس الذهبي الذي ينساب عبر النوافذ. لم يتحرك الرجل، لم يرفع صوته، فقط نظر إلى الممر، وكأنه ينتظر شيئًا. "أنا أبحث عن حكاية لم تُقل بعد،" قال بصوت منخفض، "لأنني أؤمن أن كل شخص لديه حكاية، لكنها لم تُقال بعد." شعرت بالحيرة، وكأن كلماته تُضيق على ذهني. "لكن ماذا تفعل لتكتشفها؟" تجمّد لحظة، ثم أجاب بصوت خافت: "أنا أنتظر اللحظة المناسبة، وأنا أتناغم مع الزمن، وكأنني أبحث عن صوتها." نظرت إليه، وكأن هناك شيئًا ما في عينيه يحمل رمزًا. "أنا أبحث عن القصة التي سأُخبرها بها، حتى أستطيع أن أنسى أنني لم أكن هناك." استمرّت الشمس في صعودها، وأصبحت الظلال أقصر. توقف القطار، وفتحت الباب، واندفع الهواء الدافئ خارج القطار. "هل هذا هو المكان؟" سألت بصوت خافت. نظر إليّ، ثم شدّ شعره بيدّه. "هذا هو المكان الذي أبحث عنه." شعرت ببعض الغموض في كلامه، وكأنه يخفي شيئًا ما. "لماذا تبحث عن هذا المكان؟" تجنب نظراتي، ثم قال: "لأنه يحمل حكاية لم تُقال بعد، وأنا أريد أن أكون هو الذي يُخبرها." شعرت بخفة في قلبي، وكأن هناك شيئًا ما يتحرك في الأفق. "هل يمكنك أن تخبرني؟" نظر إليّ، ثم قال: "لا يمكنني أن أخبرك، لأنني لا أعرف ماذا أقول حتى أصل إليه." واصل القطار رحلته عبر الحقول المغطاة بالضباب، بينما كانت الشمس تبدأ في خفوتها. شعرت أن كل شيء حولي يتناغم مع حديثه، وكأنني أكون جزءًا من رحلة لا تُنهى. "لماذا تبحث عن هذا المكان؟" تكرّر سؤالي بحيرة، بينما كان ينظر إلى النافذة كأنه ينتظر شيئًا. "لأنه ليس مكانًا عاديًا، بل هو بداية لشيء أبعد من الحلم." توقف القطار فجأة، وانفتح الباب. "هذا هو المكان." قال بصوت متعب. نظرت إليه بذهول، بينما كانت الأضواء تضاء على الجدار المقابل. "ماذا هناك؟" سألته، لكنه لم يرد. فقط نظر إليّ، ثم تقدم خطواته نحو الظلام. الضوء أضاء حلقته، وبدأت الأصوات تتساقط من الجدار كأنها حكايات مُنسية. "كل من يدخل هنا يجد ما يبحث عنه، لكنه لا يعود كما كان." قال بصوت راوح. نظرت إلى الظلام، الذي بدا وكأنه يحمل أسرارًا لا تُقال. "ماذا تبحث عنه؟" سألته، فابتسم بصمت. "لا أبحث، بل أبحث عن من يسأل." توقفت عن متابعته، بينما كانت الأصوات تزداد غموضًا. "لماذا تأخذني معك؟" "لأنك لم تَنم بعد." نظرت إليه بذهول، بينما شعرت بوزن الأسئلة التي لم تُجيب عنها بعد. "ماذا يعني ذلك؟" "هذا هو المكان الذي لا ينام، ونحن ننتظر من يفهم." القطار توقف فجأة، وانطفأ الضوء. تعلقت بحافة المقعد بينما نظر الرجل إلى النافذة. "هذا المكان لا ينام، حتى لو نام الجميع." قال بصوت خافت. شعرت ببرودة الرياح التي لم تكن موجودة قبل. "من أنت؟" "رجل لا ينام، لكنه لا يعود كما كان." توقفت عن التفكير، بينما بدأت الأصوات تتردد من كل الاتجاهات. "هل هناك من ينتظر؟" "من يفهم أن النوم ليس راحة، بل رحلة." نظرت إليه بفضول، بينما شعرت بأنني أخترق طبقة من الظلام. "ماذا يحدث إذا نمت؟" "ستعود إلى حيث لم تعد تعرفها." شعرت بخوف لا يُوصف، بينما توقف القطار، وكأنه ينتظر من يفهم. أحسست بأن القطار يتنفس ببطء، وكأنه يحمل سرًا لا يُكشف. حاولت أن أتحدث، لكن صوتي لم يخرج إلا كأنه يطفو في الهواء. الرجل نظر إليّ، وعيناه لم تتحركا، لكنه ألقى نظرة تُذوب فيها كل شيء. "النوم ليس بداية، بل نهاية لطريق." تعلمت أن أصغي له، بينما بدأت الأضواء تغيب من حولنا. "أنا لم أستطع النوم منذ أن فقدت القدرة على أن أرى." شعرت بأنني أستمع لصوت من الماضي، يزداد قوة مع كل ثانية. "ماذا تفعل؟" "أبحث عن من يفهم أن الظلام ليس عدوًا، بل مفتاحًا." شعرت بأنني أقترب من حقيقة لا أريد أن أفهمها، بينما سمعت صوت القطار ينخفض، وكأنه يخفي شيء ما. استمر القطار في التحرك ببطء، كأنه يسير عبر صمت لا يُنطق. شعرت بيد الرجل تتحرك ببطء، كأنها ترسم رسمًا في الهواء. "كل ليلة، أبحث عن نور في الظلام، لكنه لا يظهر إلا عندما أفقد الرغبة في أن أراه." توقفت عن الاستماع إلى الأصوات، وبدأت أستمع إلى صوته. "أنا لا أبحث عن نوم، بل عن بداية." شعرت بأن كلماته تتناغم مع نبضات قلبي، وكأنها تفتح بابًا كنت أخاف أن أفتحه. "ماذا تبحث عنه؟" "أبحث عن رجل يفهم أن الظلام قد يحمل أسرارًا لا يُكشف عنها بالضوء." توقف القطار فجأة، وكأنه ينتظر من يفهم ما يخفيه. نظرتُ إلى النافذة، حيث تلتقي الحواجز المعدنية بالظلام، وكأنها تشكل حواجزًا بيني وبين العالم. "أنا أبحث عن رجل يفهم أن الظلام قد يحمل أسرارًا لا يُكشف عنها بالضوء." شعرتُ بصداعٍ ناتج عن الحيرة، لكن صوته كان يحمل شيئًا من الهدوء. توقف القطار، وبدأ الركاب يخرجون ببطء، لكنه لم يتحرك. "هل تفهم ما يخفيه هذا الوقف؟" سألني بصوت خافت. شعرتُ بأنني أفهم. "الظلام لا يخفي، بل يكشف." نظر إليّ بعينين مليئتين بالغموض، ثم اختفى بين ظل القطار، وكأنه لم يكن موجودًا أبدًا. في تلك اللحظة، فتحت الباب الذي خشيت فتحه، وبدأت أفهم أنني لم أبحث عن نوم، بل عن بداية. فجأة، سمعت صوتًا خافتًا يخرج من الظلام. "أنا هنا،" همستُ. لم أكن أعرف من هو، لكن جسدي توتر. تحرك رجلٌ خلف الظلام، وظهر ببطء كأنه مغطى بثوب أسود. "لقد انتظرتُك،" قال بصوت متعب. "أنا الذي لم ينام،" أضاف. "أنا الذي يبحث عن البداية." نظر إليّ بعينين تلمعان بالضوء. "النوم ليس نهاية، بل بداية." توقفتُ عن التنفس. "النوم هو ما يخفي الحقيقة." ثم اختفى مرة أخرى، والقطار ابتعد، والظلام أصبح حليفًا لي.
‹ تصفّح القصص
رعب وغموض
رحلة القطار والرجل الذي لم ينام
في رحلة قطار من غزة إلى القاهرة، وجد رجل لا ينام يجلس بجانب صديقه المقرب، ويحدثه عن الماضي، بينما تبدأ الأحداث الغامضة تدور حوله.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓