‹ تصفّح القصص
روايات رومانسية

منزل الأشجار

في قرية صغيرة تحيط بها الأشجار، اختار زوجان أن يبدأوا حياتهم الجديدة بخطوة غير معتادة: البحث عن منزل يحمل ذكريات الماضي. لكن الاختلاف في رؤيتهم للفقرة الأولى من حياتهم الجديدة قد يقلب حياتهم رأساً على عقب.

(بتوقيت فلسطين)

ابدأ القراءة ↓
غلاف منزل الأشجار

استمع للقصة

قراءة مريحة

في قرية قديمة تسمى بني سليم، حيث تحيط الأشجار العملاقة بالمساكن الصغيرة، اختار زوجان أن يبدأوا حياتهم الجديدة بخطوة غير معتادة: البحث عن منزل يحمل ذكريات الماضي. شادي، صانع الأثاث، يرى في المنزل علامة على البداية الجديدة، بينما نورة، معلمة، ترى فيه علامة على العودة إلى الجذور. اختلاف رؤيتهما عن المنزل جعل مناقشة السفر بينهما مصيدة لا تنتهي، حيث يرى شادي في السفر فرصة لتطوير مهنته، بينما ترى نورة فيه فرصة للعودة إلى الأسرة وتقديم التضحية. بدأ النقاش بين شادي ونورة يصبح أعمق كلما اقتربوا من قرية "أواخر الأشجار". كان شادي يرى في كل زاوية من المنزل خريطة لفرص جديدة، بينما كانت نورة تنظر إلى نفس الجدران وكأنها تهمس مع ذكريات قديمة. "هل تعتقد أننا نستطيع أن نبني هناك؟" سأل شادي وهو يشير إلى البناء المتهالك. "لا، نورة، نحن نعيد بناء حياتنا من الصفر، وليس من الماضي." رفعت نورة صوتها بقليل، لكنها تراجعت فوراً. "أنا فقط أريد أن أكون هناك عندما تبدأ كل شيء." "لكن ماذا عن أطفالنا؟" "أنا أعرف أنني أتركهم يكبرون دوني، لكن هذا هو السبب في أنني أريد أن أعود إلى هنا." توقفت عندها قطعة قماش علقت على شجرة قريبة، وبدأت تنظر إليها كأنها رسالة من الماضي. أمسك شادي القطعة القماشية بيد متعبة، وحفر بعينيه في تراب الأرض كأنه يبحث عن شيء خفي. "كانت لدينا بيت هنا، قبل أن نبدأ كل هذا." حاولت نورة أن تبتسم، لكنها لم تستطع. "نورة، أنت تعرف أنني لا أستطيع أن أعود إلى الماضي." "لا، شادي، أنت تعرف أنني لا أريد أن أعود إلى الماضي، لكنني أريد أن أعود إلى هنا." توقفت عندها فجأة حشرة صغيرة تطير ببطء نحوها، وكأنها تُذكّرها بحبر العائلة القديمة. "هل ستعودين؟" سألته بصوت خافت. "ربما،" قال وهو ينظر إلى الأفق، "لكن ليس الآن." في الصباح التالي، قررت نورة أن تبدأ بحثها بجد. تسلّقت شجرة قديمة تطل على الحديقة، وبدأت بكتابة قائمة بكل الأشياء التي كانت موجودة هناك. أولاً، كانت هناك الحديقة التي تحيط بالبيت القديم، ثم الممر الضيق المغطى بالطحالب، وأخيراً، تلك الحجرة الصغيرة التي كانت مخبأ الأسرار. توقفت عندها فجأة، فوجدت مفتاحاً مُلقى على الأرض. لم تكن تعرف أنه موجود هناك، لكنها شعرت بأنها يجب أن تأخذه. "ربما هذا هو البداية"، همست لنفسها، بينما كانت تضع المفتاح في جيبها. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها لم تكن قادرة على التوقف. بدأت تمشي ببطء نحو الحجرة، مع كل خطوة تزداد ثقتها. كانت تعرف أن الدخول إلى المكان المغلق قد يحمل مفاجآت، لكنها لم تكن قادرة على مقاومة الدعوة الغامضة التي تخرج من داخلها. عندما وصلت، فتحت الباب برفق، ودخلت إلى الداخل. الهواء كان رطبًا، ومظلمًا، لكنه لم يكن مخيفًا. في الزاوية، وجدت صندوقًا خشبيًا قديمًا، مغطى بقطعة قماش بيضاء. لم تكن تعرف ما يحتويه، لكنها اقتربت بهدوء. "ربما هذا هو ما يبحث عنه الجميع"، همست وهي تلمس طلاء الصندوق. لم تكن متأكدًا من ما سيحدث بعد، لكنها لم تكن قادرة على العودة. أينشتاين توقفت عند الباب، عيناه تلمعان بالفضول. "ربما لا توجد نهاية لهذا المكان،" همست لنفسها. تلقت نسمة خفيفة من الظلام، وكأنها تُذكّرها بوقت كانت تجلس مع أمه في الحديقة، تراقب الأشجار تهبّ على الرياح. لم تكن تعلم أن هذه اللحظة ستكون بداية لقصة أخرى. قررت أن ترفع القماش برفق. صوت ناعم تسلل من داخل الصندوق، كأنه نسمة تتنفس. "هل هذا...؟" نظرت إلى الأعلى. في الظلام، ظهرت شكل مُحاط بضوء رمادي، مثل ضوء القمر من خلف سحابة. "أنا هنا،" همس الصوت. "لم تُترك هنا لتصادقني." أدركت أن الظلام لا يزال مُخفيًا شيئًا ما. قربت وجهها من الفتحة، وتشبثت بجدار الصندوق كأنها تبحث عن مفتاح. "من أنت؟" سألت بصوت خافت. "أنا... ما تعرفني،" أجاب الصوت، "لكنني أعرفك." شعرت بضيق في صدرها، لكنها لم تستسلم. "لماذا تُخفي نفسك هنا؟" "لأنني لا أستطيع أن أظهر للجميع. فقط للذين يُسمح لهم بالسؤال." ترددت. "وأنا؟" "أنت تُجيبين عن الأسئلة التي لم تُسأل." تجمّدت، وبدأت تفهم أن ما تراه ليس مجرد ظاهرة طبيعية. "ماذا سأرى إذا تطلبت؟" "الحق." واصلت التمسك بالجدار، بينما كانت أصابعها تلمع بالضوء الذهبي القادم من الفتحة. "ماذا ينتظرني إذا رحت أطلب؟" أجابها الصوت بصوت هادئ يحمل تأثيرًا مهدئًا. "الحق، والذي لا يُرى إلا من يُحترم." شعرت بصدمة فجّة، فماذا تعني هذه الكلمات؟ "ماذا تفعلين هنا؟" "أنا أحمي الأسرار التي لا تُخفي، وأساعدها على أن تُكتشف." ترددت. "أنا لا أعرف شيئًا عنك." "لكنك تعرفني." توقفت عن التفكير، وبدأت تنظر إلى الفتحة بعينين تملأها التساؤلات. "ماذا سأرى إذا رحت أطلب؟" "الحق." توقف الصوت، ثم أضاف بصوت أخف: "وهل تستطيعين أن تتحملينه؟" أصبحت الخطوات تتردد خلفي، وكأنني أتحرك في صمتٍ يحمل نغمةً غامضة. "من أنت؟" سألت بصوتٍ خافت. "أنا من يحمل صوت الأشجار، ويدعو إلى الحقيقة التي لا تُخفي." توقفت عن المشي، وانحنيت قليلاً. "لماذا أنت هنا؟" "لأنك تبحثين عن الحقيقة، وربما تكونين قريبة من أن تجدِها." شعرت بخفقان في القلب، وكأن هناك شيء ما يتحرك خلف الستارة. "ماذا سأجد؟" "أحدٌ لا يُرى إلا من يُحترم." توقف صوته مجدداً، وكأنه ينتظر إجابتي. "وهل تستطيعين أن تتحملينه؟" لم أكن أعرف ماذا أقول، فقلت بصوتٍ منخفض: "أنا أحاول." أصبحت الأصوات المحيطة تخفت تدريجيًا، وكأن الأرض نفسها تتنفس ببطء. فجأة، شعرت بوجود قوي يُحيط بي، كأنني أُحاط بعينين لا تُرى. "لا تخافي،" صوتُه أخيرًا تدخل، "أنا لا أريدك أن تهربين. أنا هنا لأنني أؤمن بأنك تستحقين أن تعرف الحقيقة." شعرت بيدٍ تلمس ظهري بلطف، وكأنها تُعيد ترتيب قلبي. "ماذا تعرفين عن هذا المنزل؟" سألت بتردد. "هذا المنزل ليس مجرد منزل،" أجاب، "إنه علامة على ما تبحثين عنه. كل ما عليك هو أن تفتحي الباب." لم أكن أعرف ماذا أفعل، لكنني شعرت بأن خطواتي تبدأ بالتحرك من تلقاء نفسها نحو الباب الذي كان ينتظرني. دخلتُ الغرفة بخطواتٍ خافتة، والباب الذي وُفدتُ إليه أغلق خلفي. كانت الغرفة مظلمة، لكن هناك ضوءًا خافتًا ينبعث من سلّة قديمة على طرف الغرفة. شعرتُ بوجود شيء غريب في الجو، وكأنه يتنفس معني. "ماذا تريدين أن تعرفي؟" سألني بصوتٍ خافت. "أنا أبحث عن الحقيقة،" أجبتُ بصوتٍ متقطع. "الحقيقة لا تُعثر عليها بسهولة،" قال، "لأنها تُخفي نفسها عن من لا يستحقها." أردتُ أن أطلب منه التوضيح، لكنني شعرتُ بأن قلبي يدق بسرعة، وكأنه يحاول أن يفهم ما يجري. "هل يمكنك أن تخبرني بما تعرفه عن هذه الغرفة؟" سألتُ. "هذه الغرفة تُخفي ذكرياتٍ تُخفيها الأشجار،" قال بصوتٍ مُبحَر. "هل أنت مستعدة لفتح الباب؟" الباب أمامي، مغطى بطبقة من الغبار، لكنه لا يبدو مكسورًا. شعرتُ بالخوف، لكنني اقتربتُ منه ببطء. "هل هذا الباب مفتوح دائمًا؟" سألتُ بصوتٍ خافت. "لا،" قال، "فإنك تفتحه فقط إذا كنتِ تحملين الحقيقة في قلبك." شعرتُ بحيرة، لكنني قمتُ بتحريك يدي، وبدأتُ بالضغط على الباب. صوتٌ خفيفٌ نبع من داخله، كأنه يتنفس. "لا تخف،" قال بصوتٍ مُطمئن، "الحقيقة لا تُؤذي، بل تُنقذ." نظرتُ إليه بدهشة، وكأنني أفهم شيئًا لا أستطيع التعبير عنه. "هل تعتقد أنني أستطيع أن أفتحه؟" سألتُ. "أنا أؤمن بأنك تستحقين." الباب فتح تدريجيًا، كأنه يتنفس معني، وظهرتُ في داخله رائحةٌ طيبةٌ كأنها من حديقةٍ تنمو في قلب الأرض. كانت الغرفة مظلمة بعض الشيء، لكن هناك ضوءًا خافتًا ينبع من زاوية بعيدة. "اتبعيني،" قال بصوتٍ ناعم. تمشيتُ بحذر، ووجدتُ نافذةً تُطل على عالمٍ غريب، حيث كانت الأشجار تُركض في الهواء، وتشكلُ نجومًا متناثرةً في السماء. "هذا هو منزل الأشجار،" قال. "هنا نُحَمِّل الأسرار، ونُذوب في الحقيقة." شعرتُ بخفقان، وكأنني أكون في مكانٍ يُخبرني بأسرارٍ لا أعرفها. "ما الذي تبحثين عنه؟" سألني. "أبحث عن الحقيقة." "حسنًا،" قال، "فإنك تبحثين عن نفسك." استغربتُ من كلامه، فلم أكن أتوقع أن يُقدّم لي هذه الإجابة. تابعته بخطواتٍ أكثر ثقة، ودخلتُ معه إلى غرفةٍ ضبابية تُضيء بضوءٍ أزرقٍ خافت. تعلّقتُ بجدرانها الأشجار الصغيرة التي ترفرف كأنها تتنفس. "هذا هو القلب"، قال، "هنا تُخفي الأسرار التي لا تُخبر بها الكلمات." شعرتُ بصداعٍ فجّ، وكأنني أسمع أصواتًا خفية تتحدث بصوتي. "لماذا تبحثين عن الحقيقة؟" سألته. "لأنني لا أعرف من أنا." نظر إليّ بعينين تلمعان كأنهما نجوم. "فإنك تبحثين عن من أنت." واصلتُ التحدث بصوتٍ خافتٍ، "أنا أشعر كأنني أنسى شيئًا مهمًا، وكأن جزءًا مني ينتظرني في مكانٍ بعيد." نظر إليّ ثانيةً، ثم تراجع خطواته ببطء، وبدأ يشير إلى أشجارٍ ضخمة ترتفع من أسفل الجدران، "كل شجرة هنا تحمل ذكرى، وكل جذر يخفي سرًا." تحرّكت الأشجار بلطف، وكأنها تردّ على صوته. "كيف أعرف ما يخفيه الجذور؟" سألتُ. ابتسم، "بحيث تبدأ بالسؤال الصحيح: من الذي تريده أن تكونين؟" شعرتُ بضيقٍ في الصدر، وكأن هناك جوابًا ينتظرني، لكنه لا يظهر. ابتسمتُ بارتباك، "من الذي أريده أن أكون؟" أجاب بصوت خفيف، "من الذي تريده أن تكون؟" أوقفتُ خطواتي، "أنا... أنا فقط." قال بصوت معتدل، "لكنك تبحث عن شيئًا ما، أو شخصًا." أدركتُ أنني أتحدث بصوت خافت، "أنا أنسى شيئًا مهمًا." أومأ بيده، "الذكريات تختفي أحيانًا، لكنها لا تهرب." أصبحت الأشجار ترفرف بفروعها كأنها تغني، "هل تريدين أن تعيشي ذكرياتك؟" أنا مشغولة بسؤال آخر، "كيف أجد ما أبحث عنه؟" "ابدأ بالسؤال الصحيح،" قال بصوت متردد، "من الذي تريده أن تكونين؟" الكلمات تدور في رأسي، وكأنها تبحث عن مكان لتعود إليه. أنا أتوقف، "من الذي أريده أن أكون؟" ابتسم، "كل من يبحث عن ذكرياته يبحث عن نفسه." الأشجار ترفرف ببطء، وكأنها تسمع كلماتي. أغمض عيني، "أنا لا أتذكر حتى اسمك." "أنا جزء من هذا المنزل،" قال بصوت هادئ، "وأنا هنا لمساعدتك." أرفع نظرتي، "كيف يمكنني أن أتذكر ما أنسى؟" "الذكريات لا تختفي،" قال، "إما أن تُخفيها أنت، أو تخبئها الأشجار." أتساءل، "كيف أبدأ؟" "ابدأ بفتح قلبك،" قال، "ثم ابحث في الأماكن التي تعرفها." أنا أشعر بأن شيئًا ما يتحرك في داخلني، وكأنه ينتظرك. أمشي ببطء في أرجاء المنزل، وأسمع صوت الأشجار يهمس في أذني. كل زاوية تذكر لي شيئًا، كل باب يحمل رائحة تعرفها. أتوقف عند الباب المُغطى بالطحالب، وأفتحه ببطء. داخله، رائحة عطرة، وكأنها تعود إلى طفولتي. أجد طاولة مغطاة بكتب قديمة، وأحد الأوراق تعلق بخيط مكسور. أفتحها، وأجد صورة لطفل يلعب بين الأشجار، وتحتها توقيع مجهول. أتساءل، من أنت؟ هل كنت تعرفني؟ أشعر بأن شيئًا ما يتحرك في جوهر نفسي، وكأن الأشجار تنتظر أن أستيقظ على ذكرياتي. الباب المُغطى بالطحالب أدى إلى غرفة صغيرة تُشبه سريرًا من الأشجار. أمشي ببطء، وأجد فراشًا من الأوراق المُحروقة، وعلبًا من الخشب المكسور. أفتح العلبة، وأجد أوراقًا مكتوبًا عليها أسماء. أوقفتُ عند اسم "سارة"، وفجأة، سمعت صوتًا خافتًا من خلفي.转身، وجدت فتاة ترتدي ملابس قديمة، تجلس بجانب نافذة مغطاة بالرطوبة. "أنت مَن؟" سألتها بصوت متردد. "أنا من كانت تلعب معك في الغابة" أجابت بصوت طفولي. "كيف تعرفني؟" "لأنك كنت تهتم لأشجارنا، وتحكي معها بأسمائها." نظرتُ إلى الأشجار خلفها، وكأنها تسمع حديثنا. كانت تنظر إليّ بعينين داكنتين، كأنها تحاول رؤية ما لا يُرى. "لماذا تبكي؟" سألتها، وقلتُ بصوتٍ خافت: "أنا أبحث عن من أحب، لكنهم لا يعودون." نظرتُ إلى الأوراق في يدها، ورأيتُ أنها تمسك بورقة مُمزقة. "هذه كانت تكتبها لأشجارنا،" قالت، "كانت تقول إنها ستعود يومًا ما." نظرتُ إلى الأشجار مرة أخرى، وكأنها تنتظر. "من أنت؟" سألتها، وانحنى بخفّة، "سارة، كنت أحب أشجارك، وربما أنا أيضًا." توقفتُ، وفجأة، شعرتُ بوجودٍ غامض يحيط بي. الرائحة كانت مُريبة، كأنها تختلط بروائح الأرض والرطوبة، لكنها لم تكن رائحة أشجارنا. توقعتُ أن تختفي، لكنها بقيت. "أين أنت؟" سألتها، "أنا هنا،" قالت، "أنا أتبعك." نظرتُ إلى الأشجار، وكأنها تتنفس بصمت. "كيف تعرفني؟" "لأنني كنت أسمع صوتك في الأعماق،" قالت بصوتٍ خافت، "كنت أسمعك تهمس لأشجارك." شعرتُ بخفة في القلب، وكأن شيئًا ما يتحرك خلفي. "من أنت حقًا؟" "سارة،" قالت، "كنت أحب أشجارك، وكنت أحبك." نظرتُ إلى الأوراق في يدها، وفجأة، شعرتُ بأنها تتحرك ببطء، كأنها تنسج شيئًا ما. "ماذا تصنع؟" "أعيد كتابة ما فقدناه." ابتسمت سارة بابتسامة متعبة، "كانت تُخفي قصتها في جذورها، وتحفظ كل حلمٍ تُنسى." توقفت عن حركتها، وانحنى فجأةً، واندلع من بين الأوراق ضوءٌ أخضر، كأنه يخرج من الجذور. "هذه الأوراق..." بدأت أقول، "هي أسرارك؟" نظرتُ إلى الأشجار مرة أخرى، وكأنها تتنفس ببطء. "لا،" قالت، "هي ذكرياتي، كل شيء تمرّ به هذه الأشجار، كل شيء تُخفيه." توقّفت عن حركتها، وبدأت تتحرك الأوراق من جديد، وكأنها تُعيد ترتيب نفسها. "ماذا ستفعل؟" "سأعيد كتابة حكاية هذه الأشجار،" قالت، "وكل شيء تمرّ به." شعرتُ بالغموض يحيط بي، وكأنني أدخل إلى مكان لا يمكن فهمه. "لماذا تفعل ذلك؟" "لأنني أحبّك،" قالت بصوتٍ خافت، "وأحبّ أشجارك." بدأت الأوراق ترفرف ببطء، وكأنها تُحكي سرًا. نظرتُ إلى وجهها الذي يحمل تعبًا لا يُرى، لكنه يحمل أيضًا حنينًا عميقًا. "ما الذي تريده مني؟" سألتُ بصوتٍ خافت. نظرتُ إلى الأشجار مرة أخرى، وكأنها تتنفس ببطء. "لا،" قالت، "هي ذكرياتي، كل شيء تمرّ به هذه الأشجار، كل شيء تُخفيه." توقّفت عن حركتها، وبدأت تتحرك الأوراق من جديد، وكأنها تُعيد ترتيب نفسها. "ماذا ستفعل؟" "سأعيد كتابة حكاية هذه الأشجار،" قالت، "وكل شيء تمرّ به." شعرتُ بالغموض يحيط بي، وكأنني أدخل إلى مكان لا يمكن فهمه. "لماذا تفعل ذلك؟" "لأنني أحبّك،" قالت بصوتٍ خافت، "وأحبّ أشجارك." أردتُ أن أفهم. "كيف يمكن أن تعيد كتابة حكاية الأشجار؟" نظرتُ إلى الأوراق التي ترفرف ببطء، وكأنها تتنفس معها. "أنا أكتب عن كل ما تمرّ به، عن الصمت الذي تُخفيه، عن الرياح التي تمرّ بِها، عن الأشخاص الذين تُذكّرهم بِهم." شعرتُ بصدمة خفيفة، وكأنها تفتح لي نافذة لعالم لم أعرفه من قبل. "ومن أنت؟" "أنا كائنٌ من بين الأشجار، لا أعرف من أين جئتُ، لكنني أعرف كل شيء عنها." توقفتُ عن السؤال، وبدأت أشعر أنني أتجول في حلمٍ لا أعرف ماذا أفعل فيه. "ماذا سيحدث بعد؟" "ستفهم،" قالت، "بعد أن تبدأ بقراءة الحكاية." الرياح تتحرك ببطء، كأنها تتنفس مع الأشجار، وتجد نفسي أتبعها دون أن أعرف لماذا. "لماذا تريضني أن أفهم؟" سألتها. همست لي: "لأنك تبحث عن معنى، وأنا أعرفه." أخذت أمشي بين الأشجار، وأرى أن كل ساق وورقة تحمل حكاية. شعرتُ بخفقان في القلب، وكأنني أتسلل إلى مكان لا يُسمح للبشر بالدخول. "هل تعرف من أين جئت؟" "من حيث تبدأ،" أجابت. أوقفتُ قدمي، ونظرتُ إلى السماء، حيث كانت الأشجار ترسم على السحاب أشكالًا غامضة. لم أستطع التوقف، ففي كل خطوة، كأنني أكتشف شيئًا جديدًا عن نفسي. سألتُها: "ماذا تعرف عن هذا المكان؟" قالت: "هذا المنزل ليس مجرد أشجار، هو ذاكرة الجذور، هو صوت الرياح، هو صمت الأصدقاء الذين تبنوا قلبي." نظرتُ إلى الأشجار، وكأنها تتنفس مع كلماتها، فسألتُ: "ماذا تقول لي الأشجار؟" ابتسمتُ وقالت: "إنك تبحث عن الحقيقة، لكن الحقيقة لا تُقال، بل تُستمع." الريح تبعتنا، وبدأت تُلقي كلماتٍ من الرماد والورق، فسألتُ: "من يُلقي هذه الكلمات؟" قالت: "من الذين رحلوا، ومن الذين ينتظرون أن يعودوا." شعرتُ بثقلٍ في صدري، وكأن القلب يحمل أسرارًا لم أكن أعرفها، وبدأت أفهم أن هذا المنزل ليس مجرد مكان، بل هو عينٌ في الجسد، تُرى من خلالها أسرار الكون. توقفتُ عن المشي، فانعكست الأشجار كمرآة تُظهرني غيري، كأنني لم أكن أعرف نفسي أبدًا. تحدثتُ بصوتٍ خافت: "أنا لم أكن أعرف أن هناك من ينتظرني." نظرتُ إلى الأفق حيث تلتقي الأشجار بالسماء، فبدأت ترفرف الورق كالريح، وكأنها تنقل أسرارًا من جيل إلى جيل. سألتُ: "ماذا تقول لي الأشجار عن الماضي؟" ابتسمتُ مرة أخرى، وكأنها تعرف كل ما خفيتُه. "الماضي لا يختفي، بل ينام، وينتظر أن يُعاد إلى حضن من يفهمه." واصلتُ المشي باتجاه القلب الذي تُخفيه الأشجار، فكل تفاصيلها تتحدث بلغة خفية. توقفتُ عند شجرة كبيرة، فسألتُها: "كيف تعرفين كل ما جرى؟" شفتها تهمس: "نحن نحكي بأوراقنا، نغفو في جذورنا، نستيقظ عند من يسأل." شعرتُ بصداعٍ فجٍّ، وكأن الأسرار تتدفق من جذورها إلى عروقِي. "ما الذي جرى؟" أكملتُ. تلألأت أوراقها بضوءٍ غامض: "لقد تركتَ قلبك هنا، وانطلقَتْ الأشجار لتُحتجِّب به." نظرتُ إلى الأفق مُتأثراً، فعرفتُ أنني لم أترك قلبي فحسب، بل جئتُ لاستعادته. واصلت الأشجار تهمس بأوراقها المتناثرة، وكأنها تُخفي أسراراً تُنسى مع مرور الزمن. "لقد جئتَ للبحث عن قلبك، لكنك لم تفهم أنك جئتَ لتجديد حضوره." أخذتُ أنفاسي عميقاً، فكانت الأوراق ترفرف كأنها تُناديني. "كيف يمكنني أن أعيد قلبي؟" تلألأت الأشجار بضوءٍ أزرق فاتح: "كلما تذكرتَ من تحب، تصبح جذورك أعمق، وأوراقك أكثر حيوية." نظرتُ إلى الأفق، فكانت الشمس تُلمع كأنها تُذكّرني بضحكته. فصرختُ: "سأعود إلى من أحب، حتى يُعيد قلبي لي." تهدأت الأشجار، فكانت تهمس: "فكل محبّ يعيد قلبه بحبّه." عادت الأشجار إلى صمتها، لكن ضوءها الأزرق لم يفارق نظراتي. شعرتُ بقوة غريبة تدفّق في جذور قلبي، وكأنه يحاول أن يعود إلى أصله. قررتُ أن أبدأ من حيث بدأت، فانتقلتُ إلى قرية الطفولة، حيث عشتُ معه. وجدتُه يجلسُ تحت شجرةٍ كبيرة، يقرأُ كتاباً صغيراً. نظر إليّ بدهشة، ثم ابتسم. "أنت هنا؟" قال. "نعم، جئتُ لأعيد قلبي." قالَ لي بثقة: "أنا هنا، ولا أخفيك." ففي تلك اللحظة، أدركتُ أن الحب لا يختفي، بل ينتظر أن يُجدّد.

التعليقات والمفضلة

سجّل دخولك للتعليق والحفظ

لا توجد تعليقات منشورة بعد.