في شقة صغيرة بشارع قديم في القدس، حيث تمرّ الأوقات ببطء كأنها تتنفس ببطء، عاش رجل يُدعى مصطفى، عمره 45 عامًا، يعيش حياة هادئة، لكنه لا يشعر بالراحة. شقته مزدحمة بكتب قديمة وأوراق ممزقة، وحده في شارع شبه مهجور، حيث لا يسمع سوى صدى الخطوات على الجدران. في أحد الأيام، بينما كان يتأمل في صورة قديمة تعلق على الجدار، سمع صوت خطوات خفيفة في الممر. لم يكن هناك أحد، لكنه شعر وكأنه يُراقب. من الظلام خرج رجل ملثم، يرتدي ملابس أسود، يحمل معه ورقة ممزقة، ويرسم عليها بأصابعه بطيئًا. لم يتحدث، لم يشوش، فقط رسم. مصطفى شعر بصدمة، لكنه لم يتحرك. الرجل تقدم ببطء، ووضع الورقة في يده. لم تكن الورقة مكتوبة، لكن عليها رمز: 20261015-0900. مصطفى لم يفهم، لكنه شعر أن هذا الرقم يحمل معنى. لم يُطلب منه التحدث، فقط أن يرسم. وفي اللحظة التي وضعت الورقة في يده، انطفأ الضوء في الشقة، واختفى الرجل. مصطفى يشعر أن شيئًا ما بدأ يتحرك في حياة لا تبدو لها نهاية. بدأت مصطفى تنظر إلى الرقم بعينين متعبتين، لكنه شعر بجاذبية غامضة تجرّه نحو المعنى المخفي فيه. قرر أن يسأل، لكنه تراجع. ربما لم يكن مسموحًا له أن يسأل. في اللحظة التالية، ظهرت له صورة في ذهنه: شاب شاحب ينتظر باب شقته، يرتدي سترة قديمة. لم يكن مصطفى يعرفه. لكنه أدرك أن الرقم ليس عشوائيًا. خطر في ذهنه أن هذا الرقم قد يرتبط بموعد أو حدث مهم. فرفع الورقة، وبدأ يرسم مجددًا. تدريجيًا، بدأ يرسم شخصًا آخر، ثم مكانًا، ثم وقتًا. لم يشعر بالخوف، بل بالتشويق. لم يكن يعرف لماذا، لكنه شعر بأن هذه الرسوم ستُجيب على أسئلة لم يطرحها بعد. في تلك اللحظة، ظهر شاب آخر في ذهنه، يرتدي قميصًا برتقاليًا قديمًا، يحمل في يده ورقة ممزقة. مصطفى أدرك أن كل رسم له يحمل معنى، وأنه لا يرسم عشوائيًا. فبدأت الورقة تملأ بأشخاص وأماكن ووقتات، كأنها تُكشف له تدريجيًا. فسأل نفسه: "من أنا؟ ولماذا أرسم هذه الأشياء؟" لم يجد إجابة، لكنه شعر بأن كل رسم هو جزء من شيء أكبر. فاستمر في الرسم، وبدأ يرسم مبنى غير مألوف، يشبه مكتبة قديمة، تقع في زاوية غير معلومة من المدينة. تدريجيًا، بدأ يشعر بأن هذه الرسوم تؤديه إلى مكان ما، وربما إلى الحقيقة التي لم يُدركها بعد. استمر في الرسم، حتى أدرك أن المبنى الذي يرسمه ليس مجرد تصور، بل يتشكل أمام عينيه. فرفع يده ببطء، وبدأ يرسم جدرانه بتفاصيل دقيقة، وسط صمت غامض يملأ الغرفة. فجأة، صوت خفيف أدى إلى مكتبته، كأنه يدق بخفقة. نظر إليه ب удивة، ثم تذكر أنه لم يسمع صوتًا من قبل. "من هناك؟" سأل نفسه، لكن لا أحد أجاب. تواصل الرسم، وبدأت الأبواب تظهر، وكأنها تنتظر لفتحها. في تلك اللحظة، أدرك أن كل رسم هو خطوة نحو معرفة ذاته، وأنه لا يرسم فقط، بل يكشف. لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الأبواب تفتح ببطء، كأنها تتحرك بفعل قوة خفية. تدريجيًا، ظهرت الأضواء الخافتة من خلفها، كأنها تلمع في الظلام. شعر بصداع، وكأن شيئًا ما يدفعه نحو الأبواب. تمعن في أحد الأبواب، ووجد أنه يشبه الباب الذي كان يدخل منه إلى الغرفة. نظر مرة أخرى إلى الجدار، ووجد أنه يُرسم بسرعة، وكأنه يخفي شيئًا ما. "هل أنا من أرسم ذلك؟" سأل نفسه مرتبكًا. لكن لا توجد إجابة. تراجعت خطوة، وبدأ يشعر بأن كل شيء يدور حوله، وأنه ليس في غرفته anymore. واصل التحرك ببطء، محاولاً التركيز، لكن كل شيء حوله يتحرك ببطء لا يُصدق. رأى ظلًا يتحرك في زاوية الغرفة، لكن عندما حاول رؤيته بوضوح، اختفى. "هل أنا في حلم؟" سأل نفسه مترددًا. فجأة، صوت خافت تسلل من الجدار، كأنه يهمس له. "لا تنظر إلى الوراء." توقفت خطواته. "من أنت؟" أجاب بصوت خافت. لم يرد أحد. لكن الصوت تكرر: "الباب... لا تفتحه." نظر إلى الباب الذي كان يشبه الباب الذي دخل منه. شعر بالخوف، لكنه لم يكن يعرف السبب. شعر بأنه لا يسيطر على الموقف، بل هو من يُسيطر عليه. الباب تدريجيًا بدأ يُذبذب كأنه يتنفس. شعر بأن يده ترتجف عند فك الباب. "لا تفتحه"، همس الصوت مجددًا، وكأنه يخاف أن يسمعه إذا تجاهل. لم يكن هناك وقت للتفكير. حاول أن ينظر إلى الوراء، لكن الظلام كان كأنه يخفي شيئًا. توقفت خطواته، وظل صوته يتردد: "من أنت؟" لم يرد أحد. شعر بأن الكلمات تنساب من فمه دون قصد. "أنا... أنا فقط"، أجاب محاولًا أن يهدئ نفسه. لكن الصوت لم يظهر. فقط الظلام. والباب. والخجل. شعر بأن الظلام لا يخفي شيئًا، بل يكشفه. الصمت استمر لحظات، كأنه يحتفظ بسر مخفي. فجأة، تذوب الظلامة، وبدأت الأضواء تطفو من الجوانب. لم يكن ذلك مفاجئًا، فالأمر لم يكن مرتبطًا بالظلام فحسب. شعر بالحيرة، فالمكان لم يكن مظلمًا تمامًا، بل كان مظلمًا بفعل الظلام الداخلي الذي طالما تجاهلته. توقف عن التنفس، وبدأ ينظر إلى الوراء، لكنه لم يرى أحدًا. فقط الظلام، وصوت تذبذب في رأسه: "أنا هنا". لم يعلم ما الذي يخفيه، لكنه شعر بأن الباب لا يمثل الحدود بينه وبين العالم، بل هو بوابة للحقيقة. شعر بأن كل خطوة تقربه أكثر من المجهول. كان صوت "أنا هنا" يتردد في أذنه كأنه يخترق جمجمته، فرفع يده ببطء نحو رأسه، وكأنه يبحث عن مصدره. فجأة، سمع خطوات خفيفة تأتي من خلفه، لكنه لم يتحرك. "من أنت؟" سأل بصوت مكسور، لكنه لم ينتظر إجابة. كانت الخطوات تزداد وضوحًا، تشبه خطواته، لكنها لا تعود له. "أنا من نسيت الظلام"، همس صوت مخفي، "أنا من لم يجرؤ على النظر إلى الداخل." توقفت الخطوات، وانطلق صوت مخيف: "الباب ليس عائقًا، بل هو جزء منك. افتحه." تردد في نفسه: هل سيُفتح؟ هل سيجد؟ لم يتحرك. كان يعرف أن الفتح قد يكون مفتاحًا للإجابة، لكنه لم يكن متأكد مما سيجد. "لا أعرف كيف أفتحه"، قال بصوت خافت. "الظلام ليس عائقًا، بل هو جزء منك. افتح عينيك." توقف صوت المجهول، ثم عاد بصوت عالٍ: "أنت تبحث عن المفتاح في الظلام، لكن المفتاح هو الظلام نفسه." شعر بصداع شديد، وكأنه ينظر إلى كل شيء من الداخل. فجأة، شعر بيد تلمس وجهه. "لا تخف"، همس الصوت، "الظلام ليس حليفًا، لكنه يخفي الحقيقة." نظر إلى الظلام، وشعر وكأنه يتحرك، يتنفس، ينتظر. اليد لم تتحرك، لكنه شعر وكأن الظلام يتنفس بجانبه. "كلما حاولت فتحه، كلما أغلق أكثر"، همس. "الكلمات لا تفتح الأبواب، بل تبني جدرانًا." صوت المجهول صار أقرب، وكأنه يجلس بجانبه. "الظلام ليس عدوًا، بل هو ما يحمي ما لا تريد أن تراه." شعر بثقل في الصدر، وكأنه يحمل ثقلاً لا يُقدَّر. "لقد تعلمت الخوف من الظلام، لكنه لم يتعلم منك." نظر إلى الظلام مجددًا، وشعر وكأنه يحتوي على أسرار لا تُعَبَّر عنها. فجأة، شعر بيد تتحرك ببطء، تلمس كتفه. "الظلام لا يخفي الحقيقة، بل يظهرها عندما تُغلب الخوف." اليد استمرت في التحرك، بطيئة ودقيقة، وكأنها تُختبر قبل أن تُركّز. "أنا لا أخاف منك،" قال مات بصوت منخفض، "لكنني أخاف من ما يخبئه الظلام." لم يرد المجهول، بل تحوّل الصوت إلى همس في أذنه: "هل تعلم أن كل ما تراه هو فقط الظلام الذي تصنعه خوفك؟" شعر بصداع، وكأن الأفكار تتشابك بداخله. فجأة، شعر بتدفق صامت، كأنه يُسحب نحو مكان مجهول داخل نفسه. "هنا،" همس الصوت، "هنا يكمن الحقيقة." نظر حوله، لكنه لم يرى شيئًا سوى الظلام الذي أصبح لا يخيفه الآن، بل يُعَبِّر له عن شيء ما ينتظر أن يُفهم. تَدَاعَتْ أصواتٌ خافتةٌ من كل الاتجاهات، وكأن الظلام نفسه يتنفس. لم يكن يعلم إن كان يسمعها بعينه أم بروحه، لكنه شعر بأن شيئًا ما يتحرك في همسات الظلام. "لا تخف،" همس الصوت مجددًا، "الظلام ليس عدوًا، بل هو مرآة لروحك." شعر بخفقانٍ في القلب، لكنه لم يعد يخاف. تناول الظلام بعينيه، وبدأ يرى تفاصيله: أشكالًا تذوب، أصواتًا تُخفي كلماتٍ لم تُقال. فجأة، شعر بخطوة خلفه، وصوتٌ من خلفه يهمس: "أنت لم تعد تبحث عن الظلام، بل تبحث عن نفسك." أغلق عينيه، وشعر بأن الظلام قد أطلق عليه أسراره الأخيرة. فجأة، شعر بيد تضعه على كتفه. لم يكن ذلك شيئًا ملموسًا، بل شعور دافئ ينساب إلى جسده. "أنا هنا،" همس الصوت، "لقد تعلمت أن تنظر إلى الظلام بعين الرؤية، وليس بالخوف." شعر بأن قلبه يخفق ببطء، كأنه يخرج من عالم الظلام إلى عالمٍ جديد. فتح عينيه، ووجد نفسه في غرفة مظلمة، لكن الأضواء تبدأ تظهر حوله تدريجيًا، كأن الظلام لم يعد عدوًا، بل مفتاحًا لفهمه لنفسه. نظر إلى يده، ووجد أنه يمسك بقطعة ورق ممزقة، عليها كتب: "الظلام لا يخفي، بل يُظهر". أدرك أن الظلام لم يكن عدوًا، بل كان معلمًا.
‹ تصفّح القصص
اعترافات مجهولة
رقم في الظلام
في شقة قديمة بشارع فلسطيني، ظهر رجل غامض يحمل رقمًا لا يُستكمل. لا يتحدث، فقط يرسم.
(بتوقيت فلسطين)
ابدأ القراءة ↓